أحدث ظهور التقنية الغامرة ثورة في نموذج السياحة التقليدي، وأصبح من الضروري استكشاف الكيفية التي يمكن بها للسياحة الافتراضية أن تعزز السياحة الواقعية بدلًا من أن تحل محلها، وتناولت هذه الدراسة سياحة القناة الكبرى في الصين حالة تطبيقية لهذا السؤال، مستندة إلى نموذج قبول التكنولوجيا ونظرية الذاكرة الثقافية، لتفسير كيفية تشكل اتجاهات السائحين نحو التجربة الافتراضية ونحو الزيارة الفعلية، وكيف تتحول هذه الاتجاهات في النهاية إلى نية حقيقية للسفر إلى الوجهة التراثية نفسها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر قبول التكنولوجيا والذاكرة الثقافية في الاتجاه نحو السياحة الافتراضية والاتجاه نحو السياحة الواقعية، ثم في نية السياحة الواقعية لدى الجمهور، واعتمدت على بيانات جُمعت من 391 استبانة صالحة في الصين، وحُللت بأسلوب نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية لاختبار مسارات النموذج المقترح ودلالاتها، ثم دُعمت النتائج بتحليل المقارنة النوعية بالمجموعات الضبابية الذي يتيح الكشف عن التوليفات الشرطية المختلفة التي تقود إلى النتيجة نفسها، بحيث تتكامل الصورة بين أسلوب يختبر الآثار الصافية للمتغيرات وأسلوب يرصد تشكيلات الظروف المتكافئة في توليد نية الزيارة الواقعية
ثانيًا: أبرز النتائج
أكدت النتائج أن قبول التكنولوجيا والذاكرة الثقافية يؤثران إيجابيًا في الاتجاه نحو السياحة الافتراضية والاتجاه نحو السياحة الواقعية، ومن ثم في نية السياحة الواقعية، فحين يجد المستخدم التقنية الغامرة سهلة ومفيدة، وحين تحضر الذاكرة الثقافية المرتبطة بالقناة الكبرى بوصفها إرثًا حضاريًا حيًا، تتعزز الصورة الذهنية للوجهة وترتفع الرغبة في زيارتها فعليًا، وعزز تحليل المقارنة النوعية بالمجموعات الضبابية هذه الاستنتاجات واقترح ست تشكيلات بديلة يمكن عبر أي منها تعزيز نية السياحة الواقعية، بما يعني أن الطرق إلى تحفيز الزيارة الفعلية متعددة ولا تنحصر في مسار وحيد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتيح هذه النتائج استراتيجيات مبتكرة للاستفادة من السياحة الافتراضية في الترويج للسياحة الواقعية داخل صناعة السياحة، إذ يمكن للوجهات التراثية أن تصمم تجارب غامرة تجمع بين الجودة التقنية وإبراز العمق الثقافي والتاريخي للمكان، وأن توظف هذه التجارب بوصفها بوابة تعريفية تثير الفضول وتدفع نحو الزيارة الفعلية، كما تستفيد إدارات التراث من تنوع التشكيلات الست في تكييف رسائلها التسويقية مع شرائح مختلفة من الجمهور تختلف في دوافعها التقنية والثقافية، ويعزز ذلك توظيف الذاكرة الثقافية الجماعية موردًا تسويقيًا مستدامًا للوجهات ذات الجذور الحضارية العريقة
وتضيف الدراسة بعدًا ثقافيًا مهمًا إلى أدبيات قبول التكنولوجيا التي طالما ركزت على المنفعة وسهولة الاستخدام، إذ تبين أن الذاكرة الثقافية للمكان التراثي ليست زخرفًا تسويقيًا بل عامل نفسي فعال يعمق الاتجاه نحو التجربتين الافتراضية والواقعية معًا، فالقناة الكبرى بما تحمله من رمزية حضارية تمتد قرونًا تستثير لدى الزائر المحتمل ارتباطًا وجدانيًا يصعب على أي عرض تقني مجرد أن يولده، وحين تقترن هذه الذاكرة بتجربة غامرة متقنة تتحول الشاشة إلى نافذة تطل على المكان لا إلى بديل يغني عنه، كما أن وجود ست تشكيلات شرطية بديلة لتعزيز نية الزيارة يحرر المسوقين من وصفة وحيدة جامدة، إذ يمكن بناء حملات مختلفة تناسب شرائح تتباين في حساسيتها للتقنية أو في عمق ارتباطها الثقافي بالوجهة، وهو ما يجعل نتائج الدراسة قابلة للتعميم المنهجي على وجهات تراثية أخرى تمتلك رصيدًا من الذاكرة الجماعية وتسعى إلى توظيف التقنيات الغامرة في إحياء الإقبال عليها
ومن زاوية صناعة السياحة، تمنح هذه النتائج الوجهات التراثية حجة قوية للاستثمار في المحتوى الغامر بوصفه إنفاقًا ترويجيًا قابلًا للقياس لا مجرد واجهة تقنية استعراضية، فكل تجربة افتراضية مصممة بعناية تزرع لدى متلقيها صورة ذهنية حية للمكان وتختصر المسافة النفسية بينه وبين قرار السفر، ولا سيما لدى الأجيال الشابة التي تتعرف على الوجهات أولًا عبر الشاشات قبل أن تخطط لزيارتها، كما أن حضور الذاكرة الثقافية متغيرًا مستقلًا في النموذج ينبه مصممي هذه التجارب إلى أن جودة السرد الثقافي لا تقل أهمية عن جودة الرسوم والمؤثرات البصرية في صناعة الأثر السياحي المنشود
وخلاصة القول إن التقنية الغامرة لا تنافس السياحة الواقعية بل قد تكون أقوى محفزاتها متى اقترن قبول الجمهور لها بذاكرة ثقافية حية تشد الزائر إلى المكان، وبذلك تقدم الدراسة للقائمين على سياحة القناة الكبرى وغيرها من الوجهات التراثية دليلًا عمليًا على تحويل التجربة الافتراضية إلى قرار سفر حقيقي








