يظل الشمول الرقمي داخل السجون ميدانًا متنازعًا عليه، إذ يخضع الوصول إلى التكنولوجيا لتنظيم صارم ويوزع بصورة غير متساوية، وخلال جائحة كوفيد 19 أدخلت السجون الإيطالية المكالمات المرئية تعويضًا عن قيود الزيارات الحضورية، فبدأت ممارسة طارئة ثم أصبحت الآن خيارًا دائمًا في مؤسسات كثيرة، وتتناول هذه الدراسة الكيفية التي تعيد بها هذه المكالمات تشكيل العلاقات الأسرية والحياة اليومية داخل السجن، وما تفتحه من أسئلة عن العدالة الرقمية وحقوق الإنسان خلف الأسوار
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على بحث نوعي أجري في سجن عالي الحراسة في إقليم توسكانا الإيطالي بين عامي 2023 و2024، وشمل عشر مقابلات معمقة مع آباء مسجونين أبرزوا أهمية المكالمات المرئية في الحفاظ على الروابط الأسرية، وسعت الدراسة إلى فهم تجارب هؤلاء الآباء مع التواصل الرقمي، وما يتيحه من حضور في حياة أبنائهم اليومية، وما يواجهه من عوائق مؤسسية واجتماعية، ووضع هذه التجارب ضمن النقاشات الأوسع حول عدم المساواة الرقمية والإنصاف وحقوق الإنسان، فالمسجون لا يعاقب وحده بالعزلة، بل تمتد آثار العزلة إلى أسرته وأبنائه الذين لا ذنب لهم
ويضع تصميم الدراسة تجربة الأبوة في قلب تحليل الشمول الرقمي، فالمكالمات المرئية لم تدرس بوصفها خدمة اتصال تقنية محايدة، بل بوصفها ممارسة أسرية يعبر من خلالها الآباء عن حضورهم في تفاصيل يومية كالوجبات والواجبات المدرسية والمناسبات العائلية، وقد سمحت المقابلات المعمقة العشر بالتقاط التناقضات الدقيقة في هذه التجربة، بين فرحة رؤية الأبناء يكبرون عبر الشاشة وألم العجز عن مواساتهم عن قرب، وبين امتنان توافر القناة أصلًا والإحباط من قيودها المتكررة، وهي تفاصيل لا تلتقطها إحصاءات أعداد المكالمات ومددها التي تكتفي بها التقارير المؤسسية عادة
ثانيًا: أبرز النتائج
بينت النتائج أن التواصل الرقمي يخفف جزئيًا المسافة المادية والاجتماعية للسجن، إذ يتيح للآباء مشاركة الفضاءات المنزلية ومعايشة الروتين اليومي والحفاظ على حضور ملموس في حياة أبنائهم، وفي الوقت نفسه أشار المشاركون إلى عوائق مستمرة أمام الشمول الرقمي، منها القيود المؤسسية المشددة، ومحدودية الموارد التقنية، وغياب الخصوصية أثناء المكالمات، وصعوبات تنسيق المواعيد مع الأقارب، بما يشير إلى أن المكالمات المرئية تسهم في جعل السجن مؤسسة أكثر نفاذية، إذ تبني جسرًا هشًا بين الداخل والخارج يمكن أن يضعف أمام أي قيد تنظيمي أو تقني، وأن الأبوة عن بُعد عبر الشاشة تبقى تجربة مزدوجة تجمع بين عزاء الحضور وألم استحالة اللمس والمشاركة الكاملة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقع دلالة هذه النتائج عند تقاطع سياسات السجون وحقوق الأسرة، فهي تظهر أن الوصول إلى التواصل الرقمي يمكن أن يخفف أشكالًا من الإقصاء ويعيد إنتاج أشكال أخرى في الوقت ذاته، وهو ما يدعو إدارات السجون إلى التعامل مع المكالمات المرئية بوصفها ممارسة مستقرة تستحق التنظيم والموارد والخصوصية الكافية ومرونة المواعيد، لا تدبيرًا طارئًا قابلًا للتراجع، كما تقدم الدراسة للباحثين في الشمول الرقمي حالة دقيقة لدراسة التكنولوجيا داخل مؤسسات مغلقة، حيث تتجلى العلاقة بين التقنية والسلطة والكرامة الإنسانية في أوضح صورها، وللمشرعين مادة ميدانية عند مناقشة حقوق السجناء في التواصل الأسري بوصفها جزءًا من إعادة التأهيل لا ترفًا مؤسسيًا
وعلى المستوى الحقوقي، تمنح نتائج الدراسة لجان حقوق الإنسان والمنظمات المعنية بإصلاح السجون مادة ميدانية للدفاع عن تثبيت التواصل الرقمي الأسري ضمن المعايير الدنيا لمعاملة السجناء، فالحفاظ على الروابط الأسرية هدف معلن لأنظمة إعادة التأهيل في العالم، والتكنولوجيا تتيح تحقيقه بكلفة أدنى مما كان متاحًا عبر الزيارات وحدها، شرط ألا تتحول المكالمات المرئية إلى بديل يلغي الزيارات الحضورية نهائيًا، بل قناة مكملة توسع ما ضيّقته الجدران، وهو توازن ينبغي أن تضبطه سياسات مكتوبة لا أعراف متروكة لتقدير كل مؤسسة على حدة، ومن زاوية أخرى، تبرز المقابلات أن قيمة المكالمة المرئية لا تقاس بمدتها الزمنية، بل بما تتيحه من مشاركة في تفاصيل الحياة الأسرية العادية التي يفتقدها السجين أشد الافتقاد داخل محبسه
وخلاصة القول إن الشاشة الصغيرة داخل السجن يمكن أن تحمل حضور أب كامل في حياة أبنائه، بشرط أن يعامل الوصول الرقمي بوصفه حقًا أسريًا وإنسانيًا يستحق البنية والحماية، لا بوصفه استثناء مؤقتًا








