جرى استكشاف الأزمات بوصفها محفزات محتملة للتحول نحو الاستدامة، غير أن السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة أعمق من الاحتفاء بهذا الاحتمال، فإلى أي مدى عملت جائحة كوفيد 19 بوصفها عامل تغيير فعلي أعاد تشكيل نظام غذائي حضري في مدينة بنغالورو الهندية، وهل كانت التحولات التي أحدثتها عميقة ومستدامة أم سطحية وعابرة، ومن استفاد منها ومن تضرر، أسئلة تضع خطاب الأزمة بوصفها فرصة أمام اختبار ميداني صارم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على بيانات مقابلات مع فاعلي النظام الغذائي في مدينة بنغالورو، وفحصت ما أحدثته الجائحة من مبادرات تكيف وتحولات في الممارسات الغذائية الحضرية، وكيفية توزع هذه التحولات بين الفاعلين المختلفين من منتجين وباعة ومستهلكين وجهات تنظيمية، كما حللت استجابات الحوكمة للجائحة من حيث تصنيف الخدمات الأساسية، والإنفاذ المتمايز مكانيًا، والظهور المؤسسي للفاعلين، وسعت من خلال ذلك إلى الحكم على ما إذا كانت الأزمة قد حفزت تحولًا طويل الأمد في النظام الغذائي الحضري أم أنها عمقت الأنماط والفوارق القائمة فيه، واضعة نصب عينيها أن لحظات الأزمة تكشف كيفية عمل السلطة في الأوقات العادية ذاتها
وتعنى الدراسة بمفهوم الأزمة بوصفها ادعاء شائعًا في خطاب الاستدامة، فالأزمات الكبرى توصف عادة بأنها نوافذ فرصة ينكسر فيها الجمود المؤسسي وتتاح إعادة ترتيب الأولويات، غير أن الدراسة تعامل هذا الادعاء بوصفه فرضية قابلة للاختبار لا مسلّمة مسلية، فتتعقب عبر شهادات الفاعلين ما تغير فعلًا في ممارسات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وما عاد إلى سابق عهده بانقضاء حالة الطوارئ، وتميز بين مبادرات التكيف الفردية الوفيرة زمن الأزمات والتحول البنيوي في قواعد الحوكمة وتوزيع الموارد، فالثاني هو الغائب الذي ينبغي البحث عنه عند الحكم على أثر أي أزمة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الجائحة ولّدت انتشارًا واسعًا لمبادرات التكيف وتحولات مؤقتة في الممارسات، غير أن هذه التحولات كانت متفاوتة وقصيرة الأمد في معظمها، وأن استجابات الحوكمة جاءت منحازة في تصنيف الخدمات الأساسية والإنفاذ المتمايز مكانيًا والظهور المؤسسي، ففضلت بصورة منهجية الفاعلين المنظمين الممولين جيدًا، بينما همّشت الباعة غير الرسميين والمنتجين في أطراف المدينة، ونتيجة لذلك لم تحفز الجائحة تحولًا طويل الأمد، بل كثّفت أوجه عدم المساواة القائمة ورسّخت مواقع الفاعلين المهيمنين، فعملت الأزمات الكبرى بوصفها مرشحات كشفت بنى السلطة الكامنة وعمقتها، لا محركات تغيير تحولي بطبيعتها، فمن امتلك التنظيم والتمويل والاعتراف المؤسسي عبر الأزمة أقوى مما كان، ومن عمل في الهامش غير الرسمي دفع الكلفة الأعلى
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج الحاجة إلى أطر حوكمة غذائية حضرية موجهة نحو العدالة تستطيع استدامة الترتيبات البديلة إلى ما بعد لحظات الأزمة، فالمبادرات التكيفية التي يبدعها الفاعلون الصغار زمن الطوارئ تحتاج إلى اعتراف مؤسسي ودعم تنظيمي وتمويلي كي لا تتبخر مع انقضاء الأزمة، كما تنبه الدراسة مخططي المدن إلى أن تصنيف الخدمات الأساسية وقواعد الإنفاذ ليست إجراءات محايدة، بل قرارات توزع الفرص والأعباء بين الفاعلين، وتتطلب من ثم مراجعة بمعيار العدالة قبل الأزمات لا أثناءها فحسب، وأن بناء أنظمة غذائية حضرية عادلة يمر عبر إشراك الباعة غير الرسميين ومنتجي الأطراف في صنع القرار الغذائي بدل التعامل معهم بوصفهم مشكلة تنظيمية
وتنسحب دروس بنغالورو على مدن كثيرة تعتمد أنظمتها الغذائية على قطاعات غير رسمية واسعة، فتصنيف الخدمات الأساسية زمن الطوارئ قرار ينبغي أن يبنى قبل الأزمات بخرائط دقيقة لسلسلة الغذاء الحقيقية بفاعليها الرسميين وغير الرسميين، لا بافتراضات عن سلسلة رسمية وحيدة، كما أن دعم استمرارية الباعة غير الرسميين ومنتجي الأطراف عبر القنوات التمويلية والتنظيمية يحفظ للدولة شبكة أمان غذائي أثبتت الأزمة أنها الأكثر مرونة والأقل اعترافًا رسميًا، وتصلح منهجية الدراسة القائمة على شهادات الفاعلين المتعددين قالبًا لتقويم استجابات مدن أخرى لأزمات مقبلة بمعيار العدالة ذاته، كما ترسخ الدراسة درسًا منهجيًا لبحوث الأزمات، وهو أن الحكم على أثر أي أزمة ينبغي أن ينتظر ما بعد انقضائها، فكثيرًا مما يبدو تحولًا بنيويًا في ذروة الأحداث لا يعدو أن يكون تكيفًا مؤقتًا يذوب مع عودة الأوضاع إلى سابق عهدها
وخلاصة القول إن الأزمات لا تصنع التحول العادل بنفسها، بل تكشف موازين القوى التي ستعيد إنتاجه ما لم توجد أطر حوكمة غذائية موجهة نحو العدالة تحول مكاسب التكيف المؤقتة إلى حقوق مؤسسية دائمة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








