لا يمكن إنكار اختلال التوازن في الاقتصاد الرقمي الصيني بين المناطق والمدن، وتكتسب دراسة هذا الاختلال وأثره في انبعاثات الكربون أهمية كبيرة في زمن تتقاطع فيه التحولات الرقمية مع الالتزامات المناخية، فهل يؤدي تركز النمو الرقمي في مناطق دون أخرى إلى زيادة الانبعاثات الوطنية، وعبر أي قنوات ينتقل هذا الأثر، وهل يمكن أن تكون العدالة الرقمية أداة من أدوات السياسة المناخية، هذا ما سعت الدراسة إلى الإجابة عنه ببيانات واسعة النطاق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس اختلال توازن تنمية الاقتصاد الرقمي في الصين واستكشاف آثاره وآليات انتقاله إلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، واعتمدت على بيانات لوحية غير متوازنة لما مجموعه 256 مدينة صينية على مستوى المحافظات خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2019، وقاست الاختلال باستخدام معامل جيني لتنمية الاقتصاد الرقمي، ثم اختبرت العلاقة بين هذا الاختلال والانبعاثات، وفككت قنوات الانتقال المحتملة عبر الهياكل الصناعية الإقليمية والإنتاجية الكلية الخضراء لعوامل الإنتاج، بما يسمح بتمييز الأثر المباشر من الأثر المنقول عبر إعادة تشكيل البنية الاقتصادية الإقليمية وكفاءتها البيئية
وتستند الدراسة في قياسها إلى أن اختلال الاقتصاد الرقمي ظاهرة توزيعية لا تلتقطها المتوسطات الوطنية وحدها، فمعامل جيني يلخص مدى تركز التنمية الرقمية بين المدن في قيمة واحدة قابلة للمقارنة عبر السنوات، وتتيح البيانات اللوحية تتبع تطور الفجوة وأثرها عبر تسع سنوات شهدت توسعًا رقميًا سريعًا في الصين، كما يفصل تصميم الدراسة بين قناتين لانتقال الأثر، قناة الهياكل الصناعية التي قد تتجمد في المناطق المتأخرة عند صناعات كثيفة الانبعاثات، وقناة الإنتاجية الخضراء التي تعكس كفاءة استخدام الموارد والطاقة في عمليات الإنتاج
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج التجريبية أن اختلال توازن الاقتصاد الرقمي يؤثر تأثيرًا موجبًا دالًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فكلما اتسعت الفجوة الرقمية بين المدن ارتفعت الانبعاثات، وكشفت انحدارات الآليات أن هذا الاختلال يؤثر سلبًا في الهياكل الصناعية الإقليمية، ويعيق بصورة دالة تحسين الإنتاجية الكلية الخضراء لعوامل الإنتاج، بما يعني أن الفجوة الرقمية لا توزع فرص النمو بصورة غير متكافئة فحسب، بل تقوض أيضًا كفاءة التحول الأخضر في المناطق المتأخرة رقميًا، فتتحول إلى عبء بيئي إضافي يضاف إلى أعباء التفاوت التنموي ذاته، وأن المدن المتقدمة رقميًا تجني مكاسب الكفاءة بينما تتحمل المدن المتأخرة كلفة البقاء في أنماط إنتاج أكثر تلويثًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
في ضوء هذه النتائج قدمت الدراسة توصيات سياساتية تستهدف تعزيز تنمية أكثر توازنًا للاقتصاد الرقمي بين المناطق، وتبرز دلالتها في أن سد الفجوة الرقمية لم يعد هدفًا تنمويًا اجتماعيًا فحسب، بل أداة من أدوات السياسة المناخية، إذ يمكن لتوزيع البنية التحتية الرقمية والخدمات الرقمية بعدالة أن يحسن الهياكل الصناعية ويرفع الإنتاجية الخضراء في المناطق المتأخرة، ويحد بالتالي من الانبعاثات على المستوى الوطني، كما تنبه النتائج مخططي المدن وصناع السياسات إلى أن خطط التحول الرقمي ينبغي أن تقيم بمعيارين معًا، معيار النمو الاقتصادي ومعيار العدالة البيئية بين الأقاليم، وأن تجاهل المعيار الثاني قد يحول التحول الرقمي ذاته إلى مصدر صافٍ للانبعاثات
وتتسع دلالات الدراسة لتشمل بلدانًا نامية كثيرة تبني تحولها الرقمي حول عواصم ومدن كبرى، إذ تحذر من أن مكاسب الرقمنة البيئية المشهودة في المراكز المتقدمة قد تقابلها كلف انبعاثية في الأطراف المتأخرة، فتكون المحصلة الوطنية سالبة، ومن ثم ينبغي أن ترافق خطط البنية التحتية الرقمية خطط موازية لتحديث الهياكل الصناعية في المناطق المتأخرة ورفع إنتاجيتها الخضراء، وأن تدرج مؤشرات التوازن الرقمي ضمن تقارير الأداء المناخي الإقليمي، وهو درس يتجاوز الحالة الصينية إلى كل دولة تسعى إلى تحول رقمي وأخضر متزامنين، ويلاحظ أن الأثر الموثق لا يعني أن التنمية الرقمية ذاتها ملوثة بطبيعتها، بل أن اختلال توزيعها هو موضع الخلل، فحيثما توزعت القدرات الرقمية بعدالة أمكن أن تعمل في اتجاه خفض الانبعاثات عبر رفع الكفاءة وتحسين الهياكل الصناعية في المناطق كافة، وهو ما يجعل قياس الفجوة الرقمية ذاتها جزءًا من منظومة الرصد البيئي والمناخي
وخلاصة القول إن اختلال الاقتصاد الرقمي الصيني يترك بصمة كربونية واضحة عبر الهياكل الصناعية والإنتاجية الخضراء، ومعالجة هذا الاختلال تمثل نقطة التقاء نادرة بين أهداف التنمية المتوازنة وأهداف خفض الانبعاثات








