أصبح تطوير الكفاءات التقنية والتعلم المنظم ذاتيًا لدى الطلاب أولوية في تعليم الحوسبة والروبوتات، غير أن القليل معروف عن الآليات التي تسهم من خلالها الكفاءة التقنية في سلوكيات تحديد الأهداف في بيئات التعلم الأصيلة، فهل تعمل الكفاءة مباشرة، أم عبر اتجاهات الطلاب نحو العلوم، وهل تغيّر المعرفة القبلية هذه العلاقات، أسئلة جوهرية تناولتها هذه الدراسة في سياق تعليم الروبوتات الجامعي في نيجيريا، حيث يتوقع من الطلاب أن يخططوا لمشروعاتهم ويراقبوا تقدمهم ذاتيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى اختبار ما إذا كانت الاتجاهات المتعلقة بالعلوم تتوسط العلاقة بين الكفاءات التقنية ومهارات تحديد أهداف الروبوتات، وما إذا كانت المعرفة القبلية تعدّل هذه العملية، مستندة إلى النظرية المعرفية الاجتماعية ونظرية تحديد الأهداف، وشارك في الدراسة 530 طالبًا جامعيًا من مؤسسات التعليم العالي النيجيرية في تدخل تعلم قائم على المشروعات مدعوم بمنصة أردوينو استمر خمسة عشر أسبوعًا، وقيست المعرفة القبلية قبل التدخل، بينما قيست الكفاءات التقنية والاتجاهات المتعلقة بالعلوم ومهارات تحديد الأهداف بعد التدخل بصورة متزامنة، وحُلل نموذج الوساطة المعدّلة المفترض في مرحلته الأولى باستخدام نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية عبر وحدة بروسيس في برنامج سمارت بي إل إس، مع تحليل متانة تكميلي باستخدام إجراء بروسيس لهايز في الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية، وبعشرة آلاف عينة إعادة معاينة لدعم دقة التقديرات
ويميز نموذج الدراسة بين مسارين محتملين لأثر الكفاءة في تحديد الأهداف، مسار اتجاهي يفترض أن الكفاءة تولّد اتجاهات إيجابية نحو العلوم فتدفع الطالب إلى أهداف أكثر طموحًا، ومسار مباشر يفترض أن إحساس الطالب بتمكنه التقني يمنحه ثقة عملية تجعله يضع أهدافًا محددة ويتابع تحقيقها، كما يميز بين المعرفة القبلية بوصفها رصيدًا سابقًا قد يقوي هذه العلاقات أو يضعفها بحسب مستواه، وقد صمم التدخل القائم على المشروعات بمنصة أردوينو ليمنح الطلاب خبرة عملية تراكمية عبر خمسة عشر أسبوعًا تسمح بملاحظة نمو الكفاءة وتشكل سلوكيات تحديد الأهداف في سياق تعلم أصيل، لا في مهام مختبرية معزولة قصيرة الأمد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الكفاءات التقنية تنبأت بصورة دالة وموجبة بمهارات تحديد أهداف الروبوتات وبالاتجاهات المتعلقة بالعلوم معًا، غير أن الاتجاهات المتعلقة بالعلوم لم تتنبأ بدلالة بمهارات تحديد الأهداف ولم تتوسط العلاقة بين الكفاءة وتحديد الأهداف، كما لم تعدّل المعرفة القبلية بدلالة العلاقة بين الكفاءات التقنية والاتجاهات المتعلقة بالعلوم، ومن ثم لم يجد الأثر غير المباشر المشروط دعمًا في البيانات، بما يعني أن فرضيتي الوساطة والتعديل اللتين انطلق منهما النموذج لم تتحققا رغم قوة المسار المباشر، وأن الطالب الأكفأ تقنيًا كان الأقدر على تحديد أهداف روبوتية واضحة بصرف النظر عن اتجاهاته نحو العلوم أو رصيده المعرفي السابق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنقّح هذه النتائج التطبيق المشترك للنظرية المعرفية الاجتماعية ونظرية تحديد الأهداف، إذ تشير إلى أن الكفاءة التقنية ترتبط بتحديد الأهداف عبر مسار مباشر قائم على الكفاءة بصورة أساسية، لا عبر الآلية الاتجاهية المقترحة، وتبرز الدراسة أهمية الجمع بين الخبرات العملية الغنية بالتغذية الراجعة في الروبوتات واستراتيجيات صريحة لتحديد الأهداف والتنظيم الذاتي في التعليم العالي، فبناء المهارة وحده لا يكفي ما لم يتعلم الطلاب كيف يحولونها إلى أهداف واضحة وخطط متابعة ذاتية، وهو ما يوجه مصممي مقررات الروبوتات والحوسبة إلى تضمين أنشطة تحديد الأهداف مكونًا أصيلًا في التدخل التعليمي، وإلى تقويمها بذاتها لا افتراضًا أنها ثمرة تلقائية للكفاءة
وعلى صعيد التطبيق، توجه هذه النتائج معلمي الروبوتات والحوسبة إلى عدم الاكتفاء بمؤشرات الاتجاهات نحو العلوم عند الحكم على جاهزية الطلاب، فالاتجاه الإيجابي وحده لا يضمن سلوكًا هدفيًا منظمًا، بل ينبغي تضمين التدخل التعليمي ذاته أنشطة مصممة لتحديد الأهداف، مثل صياغة أهداف مرحلية للمشروعات ومراجعتها دوريًا وتلقي تغذية راجعة عليها، كما تصلح النتائج أساسًا لأبحاث لاحقة تختبر مسارات تفسيرية بديلة كالدافعية والكفاءة الذاتية في العلاقة بين الكفاءة والسلوك الهدفي
وخلاصة القول إن الطريق الأقصر بين الكفاءة التقنية وتحديد الأهداف لدى طلاب الروبوتات يمر عبر الممارسة المباشرة الواثقة، لا عبر الاتجاهات وحدها، ومن ثم فإن الاستثمار في الخبرة العملية المصحوبة بتدريب صريح على تحديد الأهداف هو الرهان الأجدى تعليميًا
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








