تضيف هذه الدراسة إلى الأدبيات المتنامية حول الفروق الجيلية في دعم الديمقراطية حجة مفادها أن المواطنين الأصغر سنًا في الديمقراطيات الأوروبية الراسخة ليسوا أقل ديمقراطية بطبيعتهم، بل قد يتأثرون على نحو مختلف بالتعاقب السريع لأزمات توصف بأنها لا تتكرر إلا مرة في الجيل خلال العقد الماضي، ومنها جائحة كورونا والحرب في القارة الأوروبية والتقلبات الاقتصادية وتحولات دولة الرفاه وتبدل العلاقات الجيوسياسية، فحين تتراكم الأزمات هكذا تتشكل حالة من تعدد الأزمات تعيد صياغة الأسس التجريبية لشرعية الديمقراطية ذاتها وتختبر ثقة المواطنين بمؤسساتهم جيلًا بعد جيل
وتتغذى هذه الحجة على ملاحظة بسيطة كثيرًا ما تغيب عن التحليلات المتعجلة، فالجيل الواحد لا يعيش الأزمة ذاتها التي يعيشها الجيل الآخر، بل يعيشها في طور مختلف من أطوار حياته، فتتراكم لديه خبرات انعدام أمن وهو يبني مستقبله المهني والأسري، بينما يستقبلها الأكبر سنًا من موقع خبرات سابقة أطول مع المؤسسات والدولة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تشكل دعم الديمقراطية عبر مسارات متمايزة جيليًا، ولا سيما في سياقات تنامي انعدام اليقين بشأن المستقبل مفهومًا بوصفه انعدام أمن وجودي، واعتمدت على بيانات مسحية أصلية جمعت عام ٢٠٢٥ في ثماني دول أوروبية هي بلجيكا وألمانيا وفرنسا والمجر وإيطاليا والنرويج وبولندا والمملكة المتحدة، وقدرت نماذج انحدار بآثار ثابتة للدول وبأخطاء معيارية حصينة، وحللت كيف يشكل انعدام الأمن المادي وانعدام الأمن المرتبط بالهوية كلا من الثقة المؤسسية وإدراك التهديد المجتمعي ودعم الديمقراطية، وكيف يعدل العمر هذه العلاقات بين الفئات الجيلية المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
تتحدى النتائج الروايات القائلة بفك ارتباط ديمقراطي معمم أو انفصال متسع لدى الأجيال الشابة، إذ برزت الثقة المؤسسية بوصفها الآلية الرئيسة التي تربط انعدام الأمن بدعم الديمقراطية، بينما لم يؤد إدراك التهديد المجتمعي إلا دورًا محدودًا، وعدل العمر هذه العلاقات بوضوح، فارتبطت خبرات الإذلال الاجتماعي ارتباطًا أقوى بدعم الديمقراطية لدى المستجيبين الأصغر سنًا، وازدادت أهمية الثقة المؤسسية تدريجيًا لدى الفئات الأكبر عمرًا، كما ارتبط انعدام الأمن المرتبط بالهوية، مقاسًا بإدراك الإذلال الاجتماعي، بانخفاض الثقة المؤسسية وارتفاع دعم الديمقراطية في آن واحد
ومما يعزز قوة هذه النتائج أنها تستند إلى بيانات متزامنة من ثماني دول أوروبية متفاوتة التاريخ المؤسسي والاقتصادي، ومع ذلك انتظمت الآليات ذاتها عبرها بعد ضبط الآثار الثابتة للدول، فالثقة المؤسسية هي القناة التي يمر عبرها أثر انعدام الأمن إلى المواقف الديمقراطية، أما إدراك التهديد المجتمعي الذي يحتل صدارة كثير من الخطابات العامة فلم يظهر محركًا رئيسًا لهذه المواقف، بما يعيد ترتيب أولويات فهم المزاج الديمقراطي المعاصر من خطاب التهديدات إلى خطاب كفاءة المؤسسات وعدالتها في التجربة اليومية للمواطنين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتحمل هذه النتائج دلالة نظرية وسياساتية جوهرية، فهي توحي بأن خبرات الإقصاء والإذلال قد تقوض الثقة في المؤسسات القائمة دون أن تضعف بالضرورة التمسك بالمبادئ الديمقراطية، فالمواطن الشاب الذي يفقد ثقته بالمؤسسات لا يتحول بالضرورة إلى معاد للديمقراطية، بل قد يطالب بها بصورة أعمق، ومن ثم فإن تشخيص أزمة الديمقراطية ينبغي أن يفرق بين تراجع الثقة المؤسسية وتراجع الالتزام الديمقراطي، وأن تبنى الاستجابات السياسية على إعادة بناء الثقة المؤسسية ومعالجة خبرات الإذلال الاجتماعي لا على افتراض فتور ديمقراطي عام لدى الشباب
وتفتح هذه النتائج أسئلة بحثية وسياسية واسعة، فإذا كانت خبرات الإذلال الاجتماعي لدى الشباب ترتبط بدعم ديمقراطي أعلى لا أدنى، فإن الطاقة النقدية لدى هذه الأجيال قد تكون موردًا للإصلاح الديمقراطي لا خطرًا عليه، شرط أن تجد قنوات مؤسسية تستوعبها وتحولها إلى مشاركة فاعلة، كما أن تقدم الثقة المؤسسية في الأهمية مع العمر يعني أن الحفاظ على شرعية الديمقراطية عبر دورة الحياة يمر بإصلاح أداء المؤسسات العامة وخدماتها، وأن تجاهل خبرات الإقصاء المتراكمة قد يحول نقدًا ديمقراطيًا مشروعًا إلى عزوف كامل عن العملية السياسية برمتها
وخلاصة القول إن دعم الديمقراطية لدى الأجيال الأوروبية يتشكل عبر مسارات يقف في قلبها انعدام الأمن الوجودي والثقة المؤسسية، وإن الشباب ليسوا أقل ديمقراطية بل مختلفون في كيفية تأثرهم بالأزمات المتراكمة، وهو ما يعيد توجيه النقاش من اتهام الأجيال إلى إصلاح المؤسسات واستعادة الثقة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








