تتعامل مؤشرات السلام العالمية مع الدول بوصفها وحدات متجانسة، فتختصر كل دولة في درجة واحدة مستمدة من قالب قياس موحد يطبق على الجميع، غير أن هذا الاختزال يخفي التفاوت الواسع في توزيع السلام داخل الدولة الواحدة، وهو التفاوت الذي تتحدد على أساسه سياسات السلام الفعلية في المجتمعات النامية حيث يتوزع السلام توزيعًا غير متساوٍ بين المحافظات والمناطق، فقد تبدو الدولة متوسطة السلام في الترتيب العالمي بينما تنعم بعض محافظاتها باستقرار راسخ وتعاني أخرى هشاشة مزمنة، ومن هنا جاءت الحاجة إلى أدوات قياس تنزل بالتحليل من مستوى الدولة إلى المستوى دون الوطني، وتراعي خصوصية السياق المحلي وندرة البيانات التي تميز كثيرًا من مجتمعات الجنوب العالمي، وهي الحاجة التي تصدت لها هذه الدراسة ببناء بروتوكول قابل للنقل لقياس السلام محليًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وضع بروتوكول منهجي قابل للنقل والتطبيق لبناء مؤشر سلام دون وطني حساس للسياق في ظروف ندرة البيانات، مستندة في ذلك إلى أدبيات التحول المحلي في دراسات السلام وإلى منهجية المؤشرات المركبة، وقد صمم الباحثون البروتوكول في خمس مراحل متتابعة تبدأ من تأصيل أبعاد السلام في السياق المحلي وتنتهي ببناء المؤشر المركب وتفسير نتائجه، ثم طبقوه تجريبيًا على تايلاند مستخدمين بيانات على مستوى المحافظات شملت المحافظات السبع والسبعين كلها، وقارنوا بين فترتين زمنيتين هما ما قبل جائحة كورونا وما خلالها، بما أتاح رصد التغير في أنماط السلام المحلي عبر الزمن واختبار قدرة البروتوكول على كشف ما تحجبه الدرجة الوطنية الواحدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أولًا أن تشتت السلام كبير حين ينظر إليه على مستوى المؤشرات المفردة، غير أنه يتلاشى تدريجيًا كلما تقدمت عملية التجميع نحو المؤشر المركب، حتى إن الدرجة المركبة في النهاية تقلل من شأن عدم المساواة داخل الدولة وتوهم بتجانس غير موجود، وأظهرت ثانيًا أن أبعاد السلام الأربعة شبه منعدمة الارتباط فيما بينها عبر المحافظات، فالسلام ظاهرة متعددة الأبعاد لا يمثلها ترتيب واحد، إذ قد تتقدم محافظة في بعد وتتأخر في آخر دون قاعدة ثابتة
وبينت النتائج ثالثًا أن التوزيع عبر المحافظات ضاق على نحو غير متماثل بين الفترتين، إذ تحسنت المحافظات الأقل سلامًا وتراجعت المحافظات الأكثر سلامًا، وأكدت اختبارات الحصانة أن ارتفاع الحد الأدنى يعكس تحسنًا حقيقيًا في الظروف المسجلة لا مجرد تغير في التصورات، وأظهرت رابعًا أن الانتماء إلى المنطقة لا يفسر سوى نحو أربعة في المئة من التباين بين المحافظات، فالسلام ظاهرة محلية في جوهرها لا إقليمية، تتشكل عند مستوى المحافظة وما دونها أكثر مما تتشكل عند مستوى الأقاليم الكبرى
وتعني هذه الصورة المجزأة أن أي تدخل لبناء السلام لا يستند إلى خريطة دون وطنية دقيقة سيظل أعمى عن مواضع الهشاشة الفعلية، فالمحافظة التي تتأخر في بعد من أبعاد السلام قد تتقدم في بعد آخر، وما تحتاجه كل محافظة من برامج يختلف باختلاف موضع تأخرها لا باختلاف درجتها الكلية وحدها، وهو ما يجعل تفكيك المؤشر إلى أبعاده ومؤشراته شرطًا لأي قراءة أمينة للواقع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتحمل هذه النتائج دلالات منهجية وسياساتية مهمة، فهي تجيب عن النقد القائل إن قياس السلام يستورد قوالب خارجية جاهزة ويفرضها على سياقات مختلفة، إذ يقدم البروتوكول المقترح أداة قابلة لإعادة الإنتاج وشفافة الخطوات يمكن بها رصد السلام وبناؤه من داخل السياق المحلي في بلدان الجنوب العالمي، كما تنبه صانعي السياسات إلى أن الاعتماد على الدرجة الوطنية الواحدة قد يوجه الموارد والبرامج وجهة خاطئة، لأن المحافظات الأقل سلامًا هي موضع الحاجة الفعلية، وأن تحسنها المسجل يستحق التثبيت والمتابعة، بينما يستدعي تراجع المحافظات الأكثر سلامًا يقظة مبكرة قبل أن يتسع
كما يمنح البروتوكول المؤسسات العاملة في مجتمعات الجنوب العالمي بديلًا عمليًا عن استيراد المؤشرات الجاهزة، إذ يبين أن ندرة البيانات لا تعني استحالة القياس المحلي، بل الحاجة إلى أداة مرنة تبني من المتاح وتعيد ملكية معرفة السلام إلى المجتمعات المعنية ذاتها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم إسهامًا منهجيًا في قياس السلام دون المستوى الوطني، إذ تبني بروتوكولًا من خمس مراحل لبناء مؤشر سلام حساس للسياق في ظل ندرة البيانات، وتثبت بتطبيقه على محافظات تايلاند السبع والسبعين أن السلام متعدد الأبعاد وشبه منعدم الارتباط بين أبعاده، وأن تجميع المؤشرات يحجب عدم المساواة الداخلية، وأن السلام محلي بطبيعته لا يفسر الانتماء الإقليمي منه إلا نسبة ضئيلة، بما يجعل الأداة المقترحة مرجعًا قابلًا للنقل لرصد السلام في مجتمعات نامية أخرى
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








