برزت عبر السنوات تعريفات ونماذج متعددة للكفاءة التواصلية بين الثقافات، تأثرت في غالبها بالمنظورات الأوروبية والأمريكية، فجاءت مفاهيمها وتصنيفاتها محملة بافتراضات ثقافية قد لا تنسجم تماما مع سياقات أخرى مغايرة، ومن هنا تنبع الحاجة إلى استكشاف هذا المفهوم داخل بيئات ثقافية متنوعة تكشف ما يضيفه السياق المحلي من أبعاد وعوامل، ويعد السياق الصيني ميدانا غنيا لهذا الاستكشاف بما يحمله من قيم ثقافية تقليدية عميقة الأثر في أنماط التواصل والتفاعل، وبما يشهده من انخراط واسع لطلابه في تعلم اللغات الأجنبية والتواصل العابر للثقافات، وتسعى الدراسة الحالية إلى هذا الاستكشاف عبر أصوات المتعلمين أنفسهم وخبراتهم المعيشة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الخوض في الكفاءة التواصلية بين الثقافات داخل السياق الصيني مقاربة نوعية، مستندة إلى نموذج بايرام للكفاءة التواصلية بين الثقافات أساسا نظريا وجه التحقيق في خبرات طلاب جامعيين يدرسون الإنجليزية لغة أجنبية وتصوراتهم حول العوامل المؤثرة في التواصل بين الثقافات، وصفات المتواصل الفعال بين الثقافات، والتحديات التي تواجههم في التفاعلات العابرة للثقافات، وجمعت البيانات عبر مقابلات شبه مقننة مع سبعة عشر طالبا جامعيا جرى اختيارهم قصديا، وحللت باستخدام أحد برامج تحليل البيانات النوعية، بما أتاح استخلاص العوامل من نصوص المقابلات ذاتها وتصنيفها في ضوء الإطار النظري المعتمد، وتنبع قيمة هذه المقاربة النوعية من قدرة المقابلات المعمقة على رصد الفروق الدقيقة بين ما يصرح به الطلاب من تصورات معلنة وما تكشفه خبراتهم الفعلية من عوامل كامنة لا تظهر عادة في أدوات القياس المغلقة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن تسعة عوامل جوهرية للكفاءة التواصلية بين الثقافات هي المعرفة والموقف والكفاءة اللغوية والوعي والمهارات والتعاطف والدافعية والعقلية والسمات الشخصية، وتنسجم هذه العوامل مع التصور العلمي السائد الذي يصنف الكفاءة التواصلية بين الثقافات عادة في أبعاد معرفية ووجدانية وسلوكية، ودعمت الدراسة نموذج بايرام في فهم هذه الكفاءة، كما عززت الدور الدال للكفاءة اللغوية في تطويرها ضمن السياق الصيني، وقدمت الدراسة فهما دقيقا لهذه الكفاءة بتأكيدها العقلية عاملا مميزا في التواصل بين الثقافات، وهي عقلية تتأثر بالقيم الثقافية الصينية التقليدية، بما يعين على تفسير خصوصية الخبرة الصينية وعدم اختزالها في النماذج الغربية، ويستحق عامل العقلية وقفة خاصة، فحضوره عاملا مستقلا إلى جانب المعرفة والمهارات يعني أن طريقة تفكير المتعلم وتصوره لذاته وللآخر الثقافي ليست مجرد خلفية عامة للتواصل، بل مكونا فعالا يوجه كيفية توظيفه لمعارفه ومهاراته في الموقف التواصلي الفعلي، ويمنح الثقافة المحلية حضورا بنيويا داخل الكفاءة ذاتها لا مجرد سياق خارجي يحيط بها من بعيد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعزز الدراسة فهم كيفية تأثير هذه العوامل في فاعلية التواصل والنمو الشخصي لدى الطلاب الصينيين، وتقدم رؤى قابلة للتطبيق في تطوير تعليم الكفاءة التواصلية بين الثقافات، إذ تشير إلى أن مناهج اللغة الأجنبية لا ينبغي أن تقتصر على بناء الكفاءة اللغوية رغم مركزيتها المثبتة، بل أن تستهدف بمنهجية العوامل التسعة في تكاملها، وأن توظف العقلية المتشكلة بالقيم المحلية موردا تعليميا لا عائقا يحتاج إلى تجاوز، كما تنبه مصممي برامج التبادل الطلابي والإعداد للدراسة في الخارج إلى أن التحديات التي يواجهها الطلاب في التفاعلات العابرة للثقافات تتوزع على أبعاد معرفية ووجدانية وسلوكية تستدعي إعدادا شاملا يوازن بينها، كما تدعو النتائج الباحثين إلى إعادة فحص نماذج الكفاءة التواصلية بين الثقافات في سياقات ثقافية أخرى غير غربية، للتحقق من مدى استقرار العوامل التسعة وتفاوت أوزانها النسبية بين الثقافات، فما يبدو كونيا في النماذج المؤسسة قد يكون في جانب منه انعكاسا لافتراضات ثقافات بعينها، والتراكم المقارن وحده كفيل بفصل الكوني عن المحلي في هذا المفهوم سريع الانتشار
وخلاصة القول إن الدراسة تعيد موضعة الكفاءة التواصلية بين الثقافات داخل سياقها الثقافي الصيني، فتثبت صلاحية نموذج بايرام ومركزية الكفاءة اللغوية، وتضيف العقلية المتأثرة بالقيم التقليدية عاملا مميزا يعيد التوازن إلى مفهوم طالما صيغ بعيون غربية، بما يفتح الطريق أمام نماذج أكثر حساسية للتنوع الثقافي في تعليم اللغات والتواصل وبرامج إعداد معلمي اللغات الأجنبية وتبادل الخبرات الثقافية بين الجامعات والمجتمعات المتنوعة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








