تثير الشراكات المتنامية بين الإنسان والحاسوب أسئلة دقيقة حول كيفية تشكل أحكام الأفراد على قدراتهم المعرفية، فقد ينتج عن التفاعل المتكرر مع أدوات البحث الرقمي تضخم في تقدير الذات المعرفي يجعل الفرد يبالغ في تقييم قدرته على الإجابة عن الأسئلة، ومن هنا تنبع أهمية فهم العمليات والسياقات التي تقود إلى مثل هذه الأحكام المتضخمة، إذ تؤثر خبرة البحث ذاتها، وما يرافقها من إحساس بالطلاقة والسهولة أثناء استرجاع المعلومات، في الطريقة التي يدرك بها الأفراد كفاءتهم المعرفية، سواء أكانت أدوات البحث متاحة لهم في لحظة الحكم أم لم تكن، وهو ما يجعل هذه الظاهرة ذات صلة مباشرة بتصميم بيئات التعلم الرقمي وبتنمية الوعي المعرفي لدى المتعلمين والمستخدمين على حد سواء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى الإسهام في فهم أوسع للعمليات والسياقات المؤدية إلى الأحكام المتضخمة على القدرة المعرفية في الشراكات بين الإنسان والحاسوب، فاستكشفت أثر خبرة البحث في تقدير الذات المعرفي لدى الأفراد، واعتمدت تصميما تجريبيا داخل الأفراد شارك فيه مائة وأربعة وستون طالبا جامعيا، تعرضوا فيه لشرطين متقابلين، أحدهما يتيح الوصول إلى أدوات البحث والآخر يحجبه، وجرى تحليل البيانات بأسلوب نمذجة النمو الكامن الذي يتيح تتبع مسار التغير في تقدير الذات المعرفي عبر القياسات المتكررة وفحص العوامل المؤثرة في هذا المسار، وبهذا التصميم أمكن الفصل بين أثر الخبرة المتراكمة في البحث وأثر مجرد إتاحة الأدوات في لحظة التقييم الذاتي للقدرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج الأولية أن خبرة البحث عامل مهم يؤثر في إدراك الأفراد لقدراتهم على الإجابة عن الأسئلة، ولوحظ هذا التأثير بغض النظر عما إذا كان لدى الأفراد إمكانية الوصول إلى أدوات البحث أم لا، بما يعني أن الخبرة السابقة تترك أثرا راسخا في الحكم الذاتي يتجاوز لحظة الاستخدام الفعلي للأدوات، ومع ذلك لم تفسر خبرة البحث التغير الدال في تقدير الذات المعرفي الذي وجدته الدراسة بين شرط الإتاحة وشرط عدم الإتاحة، وهو ما يشير إلى أن لإتاحة أدوات البحث ذاتها أثرا مستقلا في تضخيم الحكم على القدرة المعرفية لا تختزله الخبرة المتراكمة وحدها، وأن آليتين متمايزتين تعملان معا في تشكيل هذا التقدير، ويعمق هذا التمييز فهم آلية عمل أثر محركات البحث في الأحكام المعرفية، فالأفراد لا يخطئون في نسبة المعلومات إلى ذاكرتهم فحسب، بل يعيدون أيضا معايرة تقديرهم لذواتهم المعرفية في ضوء سلاسة الوصول إلى المعلومة، غير أن الدراسة تبين أن لهذه المعايرة مصدرين متمايزين، مصدرا تراكميا يتشكل من ممارسات البحث المتكررة عبر الزمن، ومصدرا آنيا ظرفيا ينشأ من مجرد حضور الأدوات في بيئة المهمة، وأن الخلط بينهما أفضى في بحوث سابقة إلى تفسيرات ناقصة للظاهرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لتصميم بيئات التعلم والبحث الرقمي، فإذا كانت إتاحة أدوات البحث تضخم أحكام المتعلمين على قدراتهم المعرفية بما يتجاوز قدراتهم الفعلية عند غياب الأدوات، فإن بناء مواقف تعليمية وتقويمية تميز بين الأداء المدعوم بالأدوات والأداء المستقل يصبح ضرورة تربوية، كما تدعم النتائج تضمين برامج محو الأمية المعلوماتية مكونات صريحة للمعايرة المعرفية تدرب المتعلمين على تقدير ما يعرفونه فعلا تقديرا واقعيا، وتفتح الباب أمام بحوث لاحقة تستكشف حدود هذه الظاهرة عبر فئات عمرية ومهنية مختلفة ومهام معرفية أكثر تنوعا، وتمتد هذه الدلالات من التعليم الجامعي إلى بيئات العمل المعرفي والمهني، حيث تُقوَّم كفاءة الأفراد عبر مهام مدعومة دائما بالأدوات الرقمية، فتخاطر المؤسسات بتضخيم تقديرات الكفاءة الفردية والجماعية معا إن لم تميز في تقويمها بين المعرفة المستقرة لدى الفرد وما يستعيره لحظيا من بيئته الرقمية الغنية بالمعلومات الجاهزة
وخلاصة القول إن الدراسة تفكك مكونات تضخم تقدير الذات المعرفي في عصر البحث الرقمي، فتبين أن خبرة البحث تشكل إدراك الأفراد لقدراتهم بصورة مستقرة، وأن إتاحة الأدوات تضيف أثرا آنيا مستقلا لا تفسره الخبرة، وهو تمييز دقيق يعين مصممي التعلم والباحثين على التعامل الواعي مع الفجوة بين الثقة المعرفية والقدرة الحقيقية لدى الطلاب والمهنيين وكل من يعتمد في عمله اليومي على محركات البحث وقواعد البيانات الرقمية الواسعة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








