تشهد إدارة المعرفة في المنظمات المعاصرة تحولًا لافتًا في موضع الاهتمام، إذ لم يعد التركيز منصبًا على تبني التقنية في ذاته كما كان في بدايات الاهتمام بهذا الحقل، بل انتقل إلى دراسة التفاعل المتبادل بين إدارة المنظمة وإدارة التقنية، مع عناية خاصة بدمج تقنية إدارة المعرفة في التصميم التنظيمي، ويحتل الهيكل التنظيمي موقعًا محوريًا في هذا التوجه لأنه يجسد الطريقة التي تدير بها المنشأة معرفتها، وتتواصل بها داخليًا، وتوزع بها سلطة اتخاذ القرار، وتمارس بها آليات الضبط والرقابة، ومن ثم فإنه يعكس كفاءة العمليات التنظيمية وفاعليتها، وفي هذا الإطار سعت الدراسة إلى بناء نموذج نظري واختباره للوقوف على العلاقات المتبادلة بين الضغط التنافسي والابتكارية التنظيمية وتقنية إدارة المعرفة وحجم المنظمة والمركزية والرسمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى صياغة نموذج نظري واختباره تجريبيًا في ضوء نموذج معالجة المعرفة والمعلومات التنظيمية، بحيث يفسر كيفية تفاعل مجموعة من المتغيرات التنظيمية والبيئية وتأثير بعضها في بعض، وشملت هذه المتغيرات الضغط البيئي المتمثل في حدة المنافسة، والابتكارية التنظيمية، وتقنية إدارة المعرفة، وحجم المنظمة، والمركزية بما تعنيه من تركز سلطة اتخاذ القرار، والرسمية بما تعنيه من الاعتماد على القواعد والإجراءات الموثقة في تنظيم العمل، واعتمدت الدراسة أسلوب نمذجة المعادلات البنائية لتحليل البيانات، واستندت إلى بيانات مسحية جُمعت من 220 شركة، بما أتاح اختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين متغيرات النموذج في صورة متكاملة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل أن المنظمات حين تواجه ضغطًا تنافسيًا متصاعدًا تلجأ أساسًا إلى توظيف أنظمة إدارة المعرفة، وإلى زيادة المركزية، وتدعيم الرسمية في بناها التنظيمية، بما يعينها على ضبط عملياتها وتوجيه قراراتها في بيئة تنافسية ضاغطة، وتبين كذلك أن أنظمة إدارة المعرفة أدت دور المتغير الوسيط في النموذج، إذ عززت كلًا من المركزية والرسمية داخل المنظمات، فلم تكن التقنية مجرد أداة داعمة للعمل المعرفي، بل أصبحت عاملًا فاعلًا في إعادة تشكيل البنية التنظيمية ذاتها، وخلصت الدراسة إلى أن الضغط التنافسي يدفع المنظمات إلى تبني أنظمة إدارة المعرفة، وأن هذه الأنظمة بدورها تيسر رفع مستوى المركزية والرسمية في المنظمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز نتائج الدراسة الدور الحاسم الذي تضطلع به تقنية إدارة المعرفة في تشكيل الهيكل التنظيمي والعمليات التنظيمية، ومن ثم في فاعلية العمليات التي تؤديها المنظمة وكفاءتها، فحين يفكر القادة في الاستثمار في أنظمة إدارة المعرفة لا ينبغي أن يقصروا نظرهم على المنافع التقنية المباشرة، بل عليهم أن يتوقعوا آثارًا بنيوية تمس توزيع السلطة ودرجة إضفاء الطابع الرسمي على الإجراءات، كما تفيد النتائج مصممي الهياكل التنظيمية في المواءمة بين مقتضيات الضبط والرقابة من جهة ومتطلبات الابتكار والمرونة من جهة أخرى، وتفتح الدراسة الباب أمام بحوث لاحقة تختبر النموذج في بيئات وقطاعات مختلفة وتضيف إليه متغيرات تنظيمية أخرى
ويقصد بتقنية إدارة المعرفة في هذا السياق الأنظمة والأدوات التقنية التي توظفها المنظمة في إنشاء المعرفة وتخزينها وتنظيمها وتبادلها بين العاملين والوحدات، بينما تعبر الابتكارية التنظيمية عن ميل المنظمة إلى توليد الأفكار الجديدة وتبنيها، ويعبر حجم المنظمة عن مقياس بنيوي يؤثر عادة في درجة تعقد الهيكل وحاجته إلى الضبط الرسمي، وقد جاء إدراج هذه المتغيرات مجتمعة في نموذج واحد ليتيح رؤية شاملة لكيفية استجابة المنظمة لبيئتها التنافسية بوسائل تقنية وبنيوية متكاملة، بدل دراسة كل عامل بمعزل عن غيره، ويكتسب دور الوساطة الذي أدته أنظمة إدارة المعرفة أهمية خاصة في فهم العلاقة بين البيئة والبنية، فالضغط التنافسي لا يعيد تشكيل الهيكل التنظيمي بصورة مباشرة، بل يمر عبر خيارات تقنية وتنظيمية تتخذها الإدارة، وفي مقدمتها الاستثمار في أنظمة تتيح جمع المعرفة وتنظيمها وتداولها بين وحدات المنظمة، وحين تترسخ هذه الأنظمة في العمل اليومي تصبح القواعد والإجراءات أكثر توثيقًا وانتظامًا، وتغدو قنوات اتخاذ القرار أكثر وضوحًا وتمركزًا، ومن هنا فإن التخطيط لتبني تقنيات المعرفة ينبغي أن يصاحبه وعي مبكر بالتحولات البنيوية التي ستترتب عليه، حتى لا تفاجأ المنظمة بتغيرات في سلطات وحداتها وعلاقاتها الداخلية لم تكن محسوبة في خطط التطوير التنظيمي
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت دليلًا تجريبيًا على أن العلاقة بين تقنية إدارة المعرفة والهيكل التنظيمي علاقة تفاعلية لا أحادية الاتجاه، فالضغوط التنافسية تحفز تبني أنظمة المعرفة، وهذه الأنظمة تعيد بدورها صياغة مركزية القرار ورسمية الإجراءات، وهو ما يجعل حسن توظيف تقنية المعرفة مدخلًا عمليًا لبناء هياكل تنظيمية أكثر تماسكًا وقدرة على الاستجابة لمتطلبات بيئة تنافسية سريعة التغير








