تؤدي استطلاعات الرأي دورًا متزايدًا في تشكيل مواقف الجمهور من قضايا السياسة العامة، ولا سيما حين تنقل إحساسًا بالإجماع حول مشاعر بعينها كالغضب أو الحزن أو القلق إزاء حدث دولي كبير، إذ قد تتحول هذه الرسائل الإجماعية العاطفية إلى قناة غير مباشرة لتوجيه الدعم نحو سياسات عقابية أو إنسانية أو متحفظة تجاه المخاطر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى كشف الآليات المعرفية والوجدانية التي تؤثر بها رسائل إجماع المشاعر المستندة إلى الاستطلاعات في دعم الأمريكيين لسياسات متنوعة أثناء الغزو الروسي لأوكرانيا عام ألفين واثنين وعشرين، واعتمدت تصميمًا تجريبيًا عامليًا بين المجموعات على عينة وطنية من البالغين الأمريكيين بلغت ألفًا وسبعة وثمانين مشاركًا، وُزعوا عشوائيًا على خمس حالات لرسائل الإجماع هي الجدية والغضب والحزن والقلق وحالة ضابطة، وقاست الدراسة الإجماع الوجداني المدرك والاستجابات الوجدانية الفردية ودعم السياسات، واختبرت الدور المعدِّل لأهمية القضية المدركة في ضوء نموذج المعالجة الحدسية والمنهجية، بما يتيح تتبع المسار التسلسلي من إدراك الإجماع إلى الاستجابة الفردية ثم إلى الموقف السياسي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن رسائل إجماع المشاعر أثرت في دعم السياسات تأثيرًا غير مباشر عبر عملية تسلسلية تبدأ بتشكيل الإجماع الوجداني المدرك ثم تغيير الاستجابات الوجدانية الفردية، فقد زادت رسالة إجماع الغضب من دعم السياسات العقابية، ورسالة إجماع الحزن من دعم المساعدات الإنسانية، ورسالة إجماع القلق من دعم الخيارات المتحفظة تجاه المخاطر كتقديم التنازلات، واتساقًا مع نموذج المعالجة الحدسية والمنهجية كان تأثير رسائل الإجماع معدَّلًا بأهمية القضية المدركة، إذ ظهرت آثار دالة في الأساس لدى المشاركين الذين عدّوا القضية منخفضة الأهمية، بينما خفت الأثر لدى من رأوها قضية جوهرية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز الدراسة أن عرض نتائج الاستطلاعات بصيغة إجماع وجداني ليس نقلًا محايدًا للمعلومة بل تدخل اتصالي قد يعيد توجيه المواقف، وهو ما يهم وسائل الإعلام ومؤسسات قياس الرأي وصناع السياسات في التعامل المسؤول مع تغطية الحروب والأزمات، كما تنبه الباحثين إلى أن قابلية الجمهور للتأثر ترتفع حين تنخفض أهمية القضية لديه، بما يستدعي مزيدًا من الدراسات حول حدود هذا التأثير وسياقاته الثقافية والسياسية المختلفة
ويتسق نمط النتائج مع منطق نموذج المعالجة الحدسية والمنهجية، فحين تنخفض أهمية القضية لدى الفرد يعتمد على إشارات محيطية كإجماع الآخرين وجدانيًا بدل تحليل الحجج ذاتها، فتتسرب رسالة الإجماع إلى موقفه عبر إدراكه أن المشاعر المعروضة هي مشاعر الجمهور ومن ثم عبر محاكاته الوجدانية لها، أما حين ترتفع الأهمية فينشط التحليل المنهجي فيضعف وزن الإشارة الإجماعية، وهو ما ظهر في اقتصار الآثار الدالة على منخفضي الأهمية المدركة دون مرتفعيها
وتحمل هذه النتائج دلالة خاصة لتغطية النزاعات الدولية، إذ قد تتحول عبارات من قبيل غضب الرأي العام أو تعاطفه في عناوين الاستطلاعات إلى أدوات توجيه سياسي غير مقصود أو مقصود، فتتعزز سياسات العقوبات حين يعمم الغضب وتتعزز المساعدات حين يعمم الحزن وتتقدم خيارات التهدئة حين يعمم القلق، ومن ثم تدعو الدراسة إلى وعي تحريري وبحثي بأن نقل أرقام الاستطلاعات لا ينفصل عن تأطيرها الوجداني وما يصنعه في الجمهور متلقيًا
وتضع الدراسة بذلك رسائل الاستطلاعات في موضعها من بيئة اتصالية أوسع، فالاستطلاع لا ينشر أرقامًا فحسب بل يروي قصة عن الجمهور نفسه، فإذا قيل إن الجمهور غاضب أو حزين صارت المشاعر المنسوبة إليه معيارًا اجتماعيًا ضمنيًا يدفع الأفراد إلى مواءمة مشاعرهم ومواقفهم معه، وتتضاعف حساسية هذا الأثر في أوقات الحروب حيث تندر المعلومات المباشرة وتعلو كلفة تكوين رأي مستقل، فيلجأ الأفراد إلى اختصارات وجدانية يوفرها الإجماع المدرك جاهزة لهم، ومن هنا تتقاطع الدراسة مع أدبيات التأطير والإقناع والرأي العام بوصفها إضافة تجريبية موثقة إلى فهم كيفية صناعة المواقف من السياسات الخارجية في الداخل
كما تفتح الدراسة بابًا لبحوث لاحقة تقارن هذه الآليات عبر ثقافات ودول مختلفة، إذ قد يتباين وزن الإجماع الوجداني باختلاف الثقة المؤسسية وطبيعة الأنظمة الإعلامية، فتتعمق بذلك معرفتنا بكيفية انتقال المشاعر الجماعية من الشاشات إلى مواقف السياسة الخارجية
وخلاصة القول إن رسائل إجماع المشاعر المستندة إلى الاستطلاعات قادرة على تشكيل دعم السياسات العامة تشكيلًا غير مباشر عبر الإجماع المدرك والاستجابة الوجدانية، وبخاصة حين لا يعد الجمهور القضية محل الاهتمام قضية حاسمة








