جذبت مقاربات التعلم عبر الفصول الافتراضية اهتمامًا متزايدًا في الآونة الأخيرة لما تنطوي عليه من إمكانات لتشجيع انخراط الطلاب وضمان تعلم نشط وتعاوني، وعلى الرغم من تزايد ظهور بحوث التعلم عبر الإنترنت فإن تعلم الفصول الافتراضية لم يحظ باهتمام ملحوظ، ولا سيما في دول الخليج كالإمارات العربية المتحدة، وقد فرضت جائحة كورونا على الجامعات الإماراتية انتقالًا واسعًا إلى هذا النمط من التعلم، فصارت تجارب الطلاب معه وتصوراتهم لضرورته وجدواه مادة مهمة للفهم والتقييم، ومن هنا تتجه هذه الدراسة إلى فحص تصورات طلاب إحدى الجامعات الإماراتية وتجاربهم مع تعلم الفصول الافتراضية خلال الجائحة من حيث ضرورته وفائدته، والضغط الظرفي المرافق له، والأسباب التي تجعله مرغوبًا وحتميًا في آن واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تصورات طلاب جامعة في الإمارات العربية المتحدة وتجاربهم مع تعلم الفصول الافتراضية خلال جائحة كورونا، من حيث إدراكهم لضرورته ومساعدته لهم على التعلم، وما يرافق ممارسته من ضغط ظرفي، وتفسير أسباب مرغوبيته وحتميته بوصفه فضاء تعلميًا راهنًا يتجاوز التعلم الوجاهي التقليدي داخل القاعات، واستندت الدراسة إلى بيانات مسحية بلغ حجمها 334 مشاركًا، وحللت هذه البيانات لرسم صورة لحرية التعلم الذاتي في بيئات تعلم مختلفة داخل الفصول الافتراضية، متنبهة إلى أن ممارسة الفصول الافتراضية تتوافر بصور ودرجات جودة متفاوتة تبعًا لما تتيحه من فرص لمشاركة المتعلمين، وأن لها قضايا ومشكلات تستحق الرصد إلى جانب إمكاناتها المعلنة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر تحليل بيانات المسح أن تعلم الفصول الافتراضية يتيح للطلاب حرية تعلم ذاتي متفاوتة بحسب بيئات التعلم المختلفة داخل هذه الفصول، وخلصت الدراسة إلى أن الطلاب قد يلجؤون إلى الفصول الافتراضية لا بسبب فاعليتها المثبتة، بل بدافع الضرورة لمواصلة تلبية احتياجاتهم التعليمية في ظل الظروف القاهرة، فالحتمية الظرفية كانت المحرك الأبرز لتقبل هذا النمط، بينما ظل الحكم على جدواه التعليمية الفعلية أقل وضوحًا في تصورات الطلاب، وتفاوتت تجاربهم تبعًا لجودة تصميم الفصول الافتراضية وفرص المشاركة المتاحة فيها، بما يعكس فجوة بين الانتقال التقني السريع إلى التعلم الافتراضي وبين نضج ممارساته التعليمية، ويؤكد أن استمرارية التعليم في الأزمات لا تعني تلقائيًا جودة التعلم المتحقق خلالها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في الفهم العام للتعلم عبر الإنترنت والتعلم الوجاهي التقليدي وموارد التعلم الافتراضية، وبخاصة في سياق تعليم اللغة الإنجليزية بوصفها لغة مطلوبة عالميًا، وتنطوي نتائجها على دلالات للجامعات ومصممي التعلم الإلكتروني تتمثل في تجاوز منطق الضرورة عند تخطيط الفصول الافتراضية نحو تصميم مقصود يعزز الانخراط والتفاعل وحرية التعلم الذاتي المنظمة، والانتباه إلى الضغوط الظرفية التي يعيشها الطلاب في التعلم المنزلي الاضطراري، كما تنبه إلى أن تقييم تجربة الفصول الافتراضية ينبغي أن يميز بين قيمتها بوصفها حلًا استمراريًا في الأزمات وقيمتها بوصفها خيارًا تعليميًا مختارًا، بما يعين المؤسسات على تطوير نماذج هجينة أكثر نضجًا تجمع بين مرونة الافتراضي وعمق التفاعل الوجاهي
وتتعدد صور الفصول الافتراضية ومستويات جودتها تبعًا لما يتيحه كل تصميم من فرص لمشاركة المتعلمين وتفاعلهم، وهو ما يفسر تفاوت تجارب الطلاب بين شعور بحرية تعلم ذاتي واسعة وشعور بضغط ظرفي مرافق لممارسة هذا النمط في المنازل خلال الإغلاقات، فقد وجد الطلاب أنفسهم أمام فضاء تعلمي جديد فرضته الجائحة دفعة واحدة، فتعاملوا معه بوصفه وسيلة استمرارية قبل أن يكون خيارًا تعليميًا مختارًا، ومن هنا تكتسب نتيجة الدراسة المركزية ثقلها، فاللجوء إلى الفصول الافتراضية بدافع الضرورة يختلف جوهريًا عن تبنيها لقناعة بفاعليتها، والخلط بينهما قد يضلل تقييم المؤسسات لتجربتها الرقمية، كما أن ربط الدراسة هذه التجربة بتعليم اللغة الإنجليزية بوصفها لغة عالمية مطلوبة يمنح النتائج بعدًا تطبيقيًا لبرامج تعليم اللغات التي تعتمد التفاعل الشفهي ركيزة لا يعوضها الحضور الافتراضي بسهولة
وخلاصة القول إن الدراسة ترسم صورة واقعية لتجربة طلاب إماراتيين مع الفصول الافتراضية زمن الجائحة، قوامها أن الضرورة لا الفاعلية المثبتة كانت وراء الإقبال عليها، وأن تطوير هذا النمط مستقبلًا يتطلب تصميمًا تعليميًا واعيًا يحوّل الاستمرارية الاضطرارية إلى تعلم نشط وتعاوني ذي جودة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








