تؤكد دراسات دولية عديدة أهمية البيئة العددية المنزلية في تعزيز المهارات الرياضية المبكرة لدى أطفال ما قبل المدرسة، إذ تشكل الأنشطة التي يمارسها الطفل مع أسرته في المنزل مدخلًا أساسيًا لبناء مفاهيم العدد والعد قبل الالتحاق بالمدرسة، غير أن البحث في السياق الكوبي ظل محدودًا في هذا المجال، ومن هنا تتجه هذه الدراسة الوصفية إلى فحص العلاقة بين مهارات العد لدى أطفال كوبيين في الرابعة من أعمارهم والأنشطة الرسمية وغير الرسمية المستخدمة في بيئاتهم العددية المنزلية بمدينة سيينفويغوس، بما يقدم صورة أولى عن كيفية تشكل الاستعداد الرياضي المبكر داخل الأسر الكوبية، والعوامل الأسرية المرتبطة به، ويثير تساؤلات حول دور الطرائق غير الرسمية كالتلفاز ودور الطرائق الرسمية كالكتب التدريبية في هذا التشكل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وصف مهارات العد لدى مئة طفل كوبي في الرابعة من العمر وفحص علاقتها ببيئاتهم العددية المنزلية، وقيست مهارات العد بمهمة عد عملية طلب فيها إلى الأطفال تحديد عدد من الأشياء المعروضة، واستخدمت الدراسة الانحدار اللوجستي الثنائي لتحديد العوامل المنبئة بقدرات الأطفال على العد، كما أجرت مقابلات شبه منظمة مع الأمهات للتعرف إلى الأساليب التي يوظفنها في تعزيز مهارات العد لدى أطفالهن، سواء أكانت أساليب غير رسمية كالتلفاز والهواتف المحمولة ومساعدة الإخوة الأكبر أم أساليب رسمية كالكتب التدريبية، ثم استخدمت الانحدار اللوجستي متعدد المتغيرات لفحص أثر هذه الأساليب في مهارات العد، بما أتاح الجمع بين الوصف الكمي والفهم النوعي لممارسات الأسر
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن 58 في المئة من الأطفال استطاعوا تحديد ما بين خمسة أشياء وثمانية في مهمة العد، وكشف الانحدار اللوجستي الثنائي أن تعليم الأم كان العامل الوحيد المنبئ على نحو دال بقدرات الأطفال على العد، وبينت مقابلات الأمهات أن 68 في المئة منهن استخدمن ثلاث طرائق لتعزيز مهارات العد شملت التلفاز بوصفها طريقة غير رسمية ومساعدة الإخوة الأكبر والكتب التدريبية بوصفها طريقة رسمية، وأشار الانحدار اللوجستي متعدد المتغيرات إلى أن التلفاز والكتب التدريبية معًا تنبآ بمهارات العد لدى الأطفال، كما تبين أن التلفاز كان المصدر الرئيس لتعلم العد لدى أطفال نسبة 32 في المئة من الأمهات اللاتي لم يكن يدركن أن أطفالهن يستطيعون العد، وكشف تحليل البيئات العددية المنزلية كثرة استخدام الطرائق الرسمية لتعزيز مبادئ العدد الأساسي لدى أطفال الرابعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن البيئة العددية المنزلية تؤدي دورًا مؤثرًا في تشكل مهارات العد المبكرة لدى الأطفال الكوبيين، وأن تعليم الأم عامل حاسم في هذا التشكل، وتوصي الدراسة بتجنب الطرائق التعليمية السلبية التي يتلقى فيها الطفل المحتوى دون مشاركة، وزيادة الانخراط النشط للبالغين في أنشطة العد لتعزيز تطور هذه المهارات، وتنطوي النتائج على دلالات لبرامج إعداد الأسر ومؤسسات الطفولة المبكرة تتمثل في توعية الأمهات والآباء بقيمة التفاعل المباشر مع الأطفال حول الأعداد في مواقف الحياة اليومية، وعدم الاكتفاء بالوسائط أو الكتب التدريبية وحدها، كما تفتح الباب أمام بحوث لاحقة في سياقات ثقافية أخرى تفحص توازن الأنشطة الرسمية وغير الرسمية في البيئات المنزلية وأثره في الاستعداد الرياضي للمدرسة
وتضيء النتائج جانبًا دقيقًا من عمل البيئة المنزلية، فالأطفال لا يتعلمون العد من مصدر واحد بل من منظومة متداخلة يتصدرها تعليم الأم الذي يوجه اختيارات الأسرة للأنشطة وطريقة تقديمها، فقد تبين أن الاستخدام المتكرر للطرائق الرسمية كالكتب التدريبية لتعزيز مبادئ العدد الأساسي لدى أطفال الرابعة يعكس حرص الأسر الكوبية على الإعداد المدرسي المبكر، غير أن حضور التلفاز منبئًا بمهارات العد يكشف في الوقت نفسه عن تعلم يحدث عبر قنوات غير مقصودة أحيانًا، بدليل أن ثلث الأمهات تقريبًا لم يدركن أن أطفالهن تعلموا العد أصلًا، وتنبه هذه المفارقة إلى خطورة الاكتفاء بالطرائق السلبية التي يتلقى فيها الطفل دون تفاعل، فالانخراط النشط للبالغين في الحديث عن الأعداد وعد الأشياء مع الطفل يظل الشرط الذي يحول التعرض العابر إلى تعلم راسخ قابل للبناء عليه في المدرسة
وخلاصة القول إن الدراسة تسلط الضوء على مركزية الأسرة في بناء المهارات الرياضية الأولى للطفل، فتعليم الأم وانخراطها النشط في أنشطة العد يصنعان فارقًا ملموسًا في قدرات أطفال الرابعة على العد، بما يجعل دعم البيئات العددية المنزلية مدخلًا واعدًا لتقليص فجوات الاستعداد المدرسي
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








