تؤدي المصارف دور الوسيط المالي الذي يحول الودائع إلى قروض، ويكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تعتمد المصارف على الودائع الكبيرة من شركات النفط وكبرى منشآت الأعمال لتمويل التجارة ومشروعات البنية التحتية الحكومية والخاصة، في ظل أسواق رأس مال غير متطورة لا تستطيع أداء هذه الوظيفة التمويلية، وقد تعرضت المصارف خلال أزمة جائحة كورونا لصدمات سيولة حادة حين سُحبت الودائع لتلبية الاحتياجات الشخصية والتجارية، فعجزت المصارف عن تقديم القروض بعد نضوب الأموال المتاحة للإقراض، ومن هنا تتجه هذه الدراسة إلى تقييم فاعلية خلق السيولة بوصفه قوة رئيسة في أداء المصارف المالي خلال الأزمة، مقترنًا بمتنبئات أخرى للأداء تتمثل في كفاءة إدارة الأصول وجودة الأصول وحجم المصرف
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار أثر خلق السيولة في الأداء المالي للمصارف منفردًا ومقترنًا بكفاءة إدارة الأصول وجودة الأصول وحجم المصرف خلال أزمة جائحة كورونا، واستندت إلى بيانات مالية لعينة مكونة من 298 مصرفًا في إحدى عشرة دولة من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شملت مصر وتونس والمغرب وقطر والبحرين وعمان والكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن وإسرائيل، وذلك خلال عامي 2020 و2021، وقاست الأداء المالي بمؤشري العائد على الأصول والعائد على حقوق الملكية، وفحصت العلاقات بين المتغيرات بأساليب إحصائية ملائمة لطبيعة البيانات اللوحية، مع التمييز بين الأثر الرئيس لخلق السيولة وآثاره المعدلة حين يقترن بجودة الأصول وحجم المصرف، بما يتيح فهمًا أدق لكيفية صمود المصارف أمام صدمات إمداد السيولة الشديدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن خلق السيولة وكفاءة إدارة الأصول وجودة الأصول وحجم المصرف أسهمت جميعًا في زيادة العائد على الأصول والعائد على حقوق الملكية لدى المصارف محل الدراسة خلال فترة الأزمة، كما بينت النتائج أن حجم المصرف وجودة الأصول عملا بالاقتران مع خلق السيولة على زيادة العائد على الأصول والعائد على حقوق الملكية معًا، بما يعني أن أثر خلق السيولة في الربحية يتعزز حين تتمتع المصارف بأصول جيدة وحجم كبير، وفي المقابل فإن المصارف الأصغر أو ذات الأصول الأضعف كانت أقل قدرة على تحويل خلق السيولة إلى أرباح خلال الصدمة، وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن خلق السيولة ليس مجرد نشاط مصرفي اعتيادي بل آلية دفاعية مركزية تمكن المصارف من الحفاظ على وظيفتها الإقراضية وربحيتها في أوقات الاضطراب الشديد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن خلق السيولة، بأثره الرئيس وآثاره المعدلة على السواء، قادر على الحفاظ على ربحية المصارف خلال فترات صدمات إمداد السيولة الشديدة كما حدث في أزمة جائحة كورونا، وتنطوي هذه النتيجة على دلالات عملية لإدارات المصارف في المنطقة تتمثل في العناية بجودة الأصول وكفاءة إدارتها بوصفها شروطًا مكملة لفاعلية خلق السيولة، كما تمنح الجهات الرقابية مؤشرات مهمة عند تقييم متانة المصارف واستعدادها للأزمات، إذ لا يكفي رصد مستويات السيولة وحدها بل ينبغي النظر إلى تفاعلها مع حجم المصرف وجودة محفظة أصوله، وتسهم الدراسة بذلك في إثراء أدبيات الأداء المصرفي في الاقتصادات الناشئة خلال الأزمات، مقدمة أدلة تطبيقية من بيئة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قلما تناولتها الدراسات السابقة بهذا الشمول
ويمنح السياق المصرفي في المنطقة هذه النتائج دلالة خاصة، فمصارف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعمل في بيئات تفتقر إلى أسواق رأس مال متطورة قادرة على تمويل التجارة ومشروعات التنمية، فتقع على المصارف وحدها تقريبًا مسؤولية تحويل ودائع شركات النفط وكبرى المنشآت إلى ائتمان منتج يمول الحكومات والقطاع الخاص، وحين ضربت الجائحة هذه المنظومة بسحب الودائع لتلبية الاحتياجات الشخصية والتجارية العاجلة، بدا خلق السيولة خط الدفاع الأول عن استمرارية الإقراض، وتوضح النتائج أن هذا الدفاع لا يعمل بمعزل عن بقية مقومات السلامة المصرفية، فجودة الأصول التي تعكس سلامة محفظة القروض، وكفاءة إدارة الأصول التي تعكس حسن توظيف الموارد، وحجم المصرف الذي يمنحه احتياطيات أوسع وقدرة أكبر على الامتصاص، شروط تجعل خلق السيولة منتجًا للربحية بدل أن يتحول إلى مخاطرة إضافية، وبذلك تقدم الدراسة إطارًا تفسيريًا متكاملًا يربط بين نشاط المصرف الأساسي في تحويل الودائع إلى قروض وقدرته على الصمود الربحي في ذروة الأزمات
وخلاصة القول إن الدراسة تبرز خلق السيولة ركيزة أساسية لصمود المصارف في الأزمات حين يقترن بإدارة كفؤة للأصول وجودة مرتفعة لها وحجم مصرفي داعم، مؤكدة أن الحفاظ على الربحية زمن صدمات السيولة ثمرة تفاعل هذه العوامل مجتمعة لا عامل واحد منفرد








