تنطلق هذه الدراسة من فكرة لافتة مفادها أن الطعام قد يكون جسرًا بين الثقافات لا مجرد حاجة يومية، إذ تختبر ما إذا كان الاستمتاع بالمطابخ العرقية وتناولها بانتظام يرتبط بمواقف أكثر تسامحًا تجاه المهاجرين والجماعات الخارجية، في سياق تتزايد فيه الخطابات المناهضة للهجرة في المجتمعات الغربية وتتصاعد الحاجة إلى فهم العوامل الدقيقة التي تخفف العداء بين الجماعات وتدعم التماسك الاجتماعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
جُمعت البيانات عبر مسح إلكتروني طُبق على عينة ممثلة وطنيًا ومصنفة طبقيًا من البالغين البيض في المملكة المتحدة بلغ عددها ألفًا وخمسة وعشرين مشاركًا، وقيس استمتاع المشاركين بالأطعمة العرقية وتكرار تناولهم لها، وتصوراتهم للمهاجرين بوصفهم تهديدًا ثقافيًا واقتصاديًا، واحتمال تصويتهم لسياسيين مناهضين للهجرة، واستُخدمت تحليلات الوساطة لاختبار ما إذا كانت هذه العلاقات تعمل بشكل غير مباشر عبر زيادة التفاعلات الإيجابية مع الأجانب، مع ضبط عوامل مؤثرة محتملة تشمل التوجه السياسي اليميني والانتباه الانتقائي للصحف المحافظة والمنطقة ونوع المستوطنة والصداقات مع أفراد الأقليات
ويراعي تصميم الدراسة فصل أثر الطعام ذاته عن الخلفيات الأيديولوجية والاجتماعية للمشاركين، إذ ضُبطت متغيرات ترتبط عادة بالمواقف من الهجرة كالتوجه السياسي والتعرض الانتقائي للصحف المحافظة وطبيعة المنطقة ونوع المستوطنة ووجود صداقات مع أفراد من الأقليات، وبنت تحليلات الوساطة نموذجًا يربط تناول الطعام العرقي بالتفاعلات الإيجابية مع الأجانب ثم بالمواقف، لاختبار آلية الاتصال بين الجماعات في صورتها اليومية غير الرسمية داخل المطاعم والأسواق والمناسبات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن زيادة الاستمتاع بالأطعمة العرقية وتكرار تناولها ارتبطت بشكل دال بانخفاض تصورات المهاجرين بوصفهم تهديدات ثقافية واقتصادية، وبانخفاض احتمال التصويت لسياسيين مناهضين للهجرة، وبينت تحليلات الوساطة أن هذه الارتباطات غير مباشرة في معظمها، إذ تعمل عبر زيادة التفاعلات الإيجابية مع الأجانب، أي إن الطعام يفتح بابًا للقاء فعلي يخفف الصور النمطية ويبني ألفة متدرجة، وظلت هذه الآثار قوية بعد ضبط التوجه السياسي والتعرض الإعلامي والمنطقة ونوع المستوطنة وصداقات الأقليات، ما يشير إلى أن العلاقة لا تختزل في اختلافات أيديولوجية أو اجتماعية سابقة بين محبي الأطعمة العالمية وغيرهم
وتقدم نتيجة الوساطة تفسيرًا دقيقًا لكيفية عمل الطعام، فالأثر لا يأتي من التذوق وحده بل من كون المطاعم والأسواق العرقية فضاءات لقاء تختلط فيها الثقافات وتتكسر الحواجز، حيث يتعرف المستهلك على أصحاب المطاعم وروادها ويبني خبرات شخصية تناقض الصور النمطية المجردة عن المهاجرين، كما أن بقاء الأثر بعد ضبط التوجهات السياسية والتعرض الإعلامي يمنح النتيجة قوة تفسيرية، وإن كانت الدراسة مقطعية لا تجزم باتجاه السببية جزمًا تجريبيًا كاملًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا نظريًا وسياقيًا جديدًا في أدبيات الاتصال بين الجماعات والصراع، إذ تبرز التعرض للثقافات عبر المائدة محفزًا دقيقًا لكنه ذو معنى للاتصال المباشر بين الجماعات القادر على خفض العداء تجاه المهاجرين، ويمكن لصانعي السياسات ومنظمات المجتمع المدني توظيف الفعاليات الغذائية متعددة الثقافات والمهرجانات والمطاعم المجتمعية مداخل منخفضة الحواجز لتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء الثقة بين السكان الأصليين والوافدين، كما تفتح النتائج بابًا لأبحاث لاحقة تختبر الآلية ذاتها في سياقات ثقافية أخرى وبتصاميم تجريبية تتحقق من اتجاه السببية وقوة الأثر
ويمكن البناء على هذه النتائج في مبادرات مجتمعية كأسابيع الطعام الثقافي في المدارس والجامعات وأماكن العمل، ودعم المطاعم العرقية الصغيرة بوصفها بنية اجتماعية لا مشروعات تجارية فحسب، وإشراك الطهاة المهاجرين في فعاليات تروي قصص أطباقهم وثقافاتهم، وتدعو الحاجة إلى دراسات مقبلة تختبر الأثر في بلدان ذات سياقات هجرة مختلفة وبقياسات سلوكية تتجاوز التصريحات إلى مواقف فعلية كالتطوع والتصويت
وتكمل هذه النتيجة أدبيات الاتصال بين الجماعات التي ركزت تاريخيًا على التعليم ومكان العمل بيئات للقاء، إذ تضيف إليها بيئة الاستهلاك الثقافي اليومية التي لا تتطلب برامج رسمية ولا كلفة تنظيمية عالية، وتصل إلى جمهور واسع قد لا يلتحق طوعًا بأنشطة حوار بين الثقافات أو بفعاليات الاندماج التقليدية المعلنة
وخلاصة القول إن مائدة الطعام العرقي قد تؤدي دورًا يتجاوز التذوق إلى تشكيل المواقف، إذ يرتبط الاستمتاع بها بتسامح أكبر تجاه المهاجرين عبر ما تولده من تفاعلات إيجابية مباشرة، وهو ما يجعل الثقافة الغذائية موردًا اجتماعيًا يستحق الاهتمام في سياسات الاندماج
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








