يمثل تصنيف القصائد العربية آليًا بحسب أغراضها أو عصورها أو انفعالاتها مشكلة بحثية مثيرة عند تقاطع الأدب العربي مع الذكاء الاصطناعي، غير أن معظم الأعمال السابقة في تصنيف القصائد العربية إلى عصور أو انفعالات اعتمدت هندسة الخصائص التقليدية وأساليب التعلم الآلي الكلاسيكية، وتستكشف هذه الدراسة إمكانات التعلم العميق في تصنيف القصائد العربية إلى فئات انفعالية، مقدمة مجموعة بيانات جديدة ومقارنة منهجية بين نماذج متعددة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بنت الدراسة مجموعة بيانات جديدة موسومة لانفعالات القصائد تضم تسعة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين نصًا شعريًا مصنفة إلى ثلاث فئات انفعالية هي الفرح والحزن والحب، ودُربت عليها نماذج متعددة من التعلم العميق شملت الشبكات العصبية التلافيفية أحادية البعد، وشبكات وحدات البوابات المتكررة، وشبكات الذاكرة طويلة المدى قصيرة الأجل، إضافة إلى نموذج بيرت العربي وهو النسخة العربية من نموذج التمثيلات المشفرة ثنائية الاتجاه، وقورن أداء النماذج بمقياس إف واحد وبنسبة الدقة، كما قورنت النتائج بأفضل ما تحقق سابقًا في هذا المجال للوقوف على مقدار التقدم المحرز
واعتمد تقييم النماذج على مقياس إف واحد الذي يوازن بين الدقة والاسترجاع في التصنيف متعدد الفئات، إلى جانب نسبة الدقة الإجمالية، وقورن أداء النماذج على مجموعة البيانات نفسها وبظروف تدريب موحدة لضمان عدالة المقارنة، كما وضعت النتائج في سياق الأدبيات السابقة التي اعتمدت هندسة الخصائص اليدوية والتعلم الآلي التقليدي، ليتبين مقدار ما أضافه التعلم العميق والنماذج المدربة مسبقًا إلى حقل ظل يعتمد سمات لغوية مصممة يدويًا
ثانيًا: أبرز النتائج
سجلت النماذج التقليدية من التعلم العميق درجات متقاربة في مقياس إف واحد، إذ حققت الشبكات التلافيفية أحادية البعد 0.62 وحققت وحدات البوابات المتكررة 0.62 بينما جاءت شبكات الذاكرة طويلة المدى قصيرة الأجل عند 0.53، غير أن نموذج بيرت العربي تفوق عليها جميعًا محققًا دقة قدرها 76.5 في المئة ودرجة في مقياس إف واحد قدرها 0.77، وبذلك تجاوز النموذج أفضل النتائج السابقة المسجلة في هذا الحقل، ويعزى هذا التفوق إلى قدرة نماذج المحولات المدربة مسبقًا على تمثيل السياق اللغوي العربي بعمق في الاتجاهين، بما يلتقط الفروق الدقيقة في التعبير الشعري عن الانفعالات المتقاربة كالفرح والحب
ويكشف تقارب نتائج الشبكات التلافيفية ووحدات البوابات المتكررة وتخلف شبكات الذاكرة عنهما أن بنية النموذج تؤثر في قراءة الانفعال الشعري، غير أن القفزة الحقيقية جاءت مع بيرت العربي الذي يستفيد من تدريب مسبق على مدونات عربية ضخمة قبل ضبطه على بيانات القصائد، فحقق فارقًا واضحًا بلغ 0.77 مقابل 0.62 لأقرب منافسيه، ما يرجح أن المعرفة اللغوية المسبقة أهم من تعقيد البنية في مهام فهم الشعر العربي وتصنيف وجدان أصحابه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج آفاقًا تطبيقية في الدراسات الأدبية الرقمية وأدوات تحليل النصوص العربية، إذ يمكن توظيف مصنفات الانفعالات في فهرسة الدواوين الرقمية ومساعدة الباحثين على تتبع الخرائط الوجدانية للشعر العربي عبر العصور والمدارس، كما تدعم مجموعة البيانات الموسومة الجديدة أبحاثًا لاحقة في معالجة اللغة العربية التي تعاني شح الموارد الموسومة مقارنة باللغات العالمية، ويشجع نجاح النماذج المدربة مسبقًا على توسيع التصنيف إلى انفعالات أدق وفئات أوسع تشمل الشعر الحديث والنصوص النثرية، مع الاهتمام بخصوصيات الصور البلاغية والاستعارات التي قد تربك النماذج الآلية
وتمتد التطبيقات إلى المكتبات الرقمية ومنصات الشعر العربي، إذ يمكن تصنيف الدواوين آليًا بحسب غلبتها الوجدانية وإتاحة بحث انفعالي للقراء والباحثين، وإلى التعليم حيث تساعد الأدوات الطلاب على مقارنة أغراض القصائد وانفعالاتها، ومع ذلك تبقى تحديات مثل التمييز بين الحزن والحب في قصائد الغزل الحزين، وندرة البيانات الموسومة لبقية الانفعالات كالفخر والهجاء والرثاء، وهي تحديات ترسم أجندة البحث المقبلة في هذا الحقل الوليد
وينبغي التنبيه إلى أن أداء النماذج مرتبط بطبيعة مجموعة البيانات وحجمها وتوازن فئاتها، فقد تتغير النتائج مع مدونات شعرية من عصور وأقطار أخرى، كما أن تصنيف القصيدة كلها بانفعال واحد يختزل قصائد مركبة الوجدان، وهي قيود تفتح الباب لتوسيع البيانات وتجريب تصنيف متعدد الوسوم في أعمال لاحقة
وخلاصة القول إن التعلم العميق، ولا سيما نماذج المحولات العربية المدربة مسبقًا، أثبت قدرة واعدة على قراءة الانفعال في الشعر العربي آليًا بدقة تتجاوز الأساليب السابقة، بما يقرّب الحوسبة من فهم أحد أكثر النصوص العربية ثراء وجدانيًا








