تستقطب برامج تطوع الخريجين للتدريس في المناطق الريفية أعدادًا متزايدة من الشباب الجامعي الذين يحملون دوافع أخلاقية ومُثلًا مدنية نحو خدمة المجتمعات الأقل حظًا في الموارد التعليمية، غير أن تجربة هؤلاء المتطوعين في مدارس نائية ومحدودة الإمكانات لا تخلو من تحديات تمس هويتهم المهنية الناشئة وتعيد تشكيلها، ومن هذا المنطلق تناولت هذه الدراسة بناء الهوية لدى متطوعي التدريس من الخريجين في سياق التعليم الريفي بالصين، وبالتحديد في برنامج متطوعي التدريس للخريجين في غربي الصين، محاولة فهم كيفية تنقّل المتطوعين بهويتهم المهنية في مدارس غير مألوفة وشحيحة الموارد، وما يرافق ذلك من توترات عاطفية ومسارات تحولية تستحق الرصد والتحليل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف عملية بناء الهوية المهنية لدى متطوعي التدريس من الخريجين أثناء خدمتهم في المدارس الريفية، مستندة إلى إطارين نظريين متكاملين هما نموذج مثلث الهوية لدوجاس ونظرية مجتمعات الممارسة لوينغر، واعتمدت الدراسة المنهج النوعي عبر مقابلات شبه مقننة أجريت مع اثني عشر متطوعًا يخدمون في مقاطعات يونان وقويتشو وشانشي، بما أتاح رصد تفاعل المعتقدات الداخلية للمتطوعين مع تفاعلاتهم الاجتماعية وممارساتهم التدريسية اليومية، وكيف يتشكل من هذا التفاعل مسار نمو هويتهم المهنية عبر الزمن
وتنطلق الدراسة من ملاحظة أن برامج التطوع التعليمي، رغم انتشارها، لم تحظ بالاهتمام البحثي الكافي في جانب بناء الهوية المهنية للمشاركين فيها، إذ يركز الاهتمام غالبًا على أثر البرنامج في المدارس المستفيدة لا في المتطوع نفسه، بينما تكشف التجربة الميدانية أن المتطوع يخوض خلال خدمته تحولات عميقة في فهمه لذاته ولمهنة التدريس ولعلاقته بالمجتمع المحلي، وهي تحولات جديرة بالفهم لما لها من أثر في جودة أدائه واستدامة التزامه
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن تطور الهوية لدى المتطوعين عملية دينامية تتشكل من تفاعل المعتقدات الداخلية والتفاعلات الاجتماعية والممارسات التدريسية اليومية، إذ يبدأ المتطوعون خدمتهم بدافع أخلاقي قوي ومُثل مدنية عالية، لكنهم سرعان ما يواجهون غموضًا في الأدوار المتوقعة منهم ومحدودية في الدعم المؤسسي وتباينًا ثقافيًا مع البيئة المحلية، ومع مرور الوقت ينتقل كثير منهم من موقع الفاعلين الطرفيين إلى ممارسين مندمجين في سياقهم عبر إستراتيجيات تكيفية وانخراط علاقاتي مع المدرسة والمجتمع، محققين بذلك تحولات جوهرية في فهمهم لذواتهم ولمهنتهم
وبينت النتائج كذلك أن التفاعلات الاجتماعية للمتطوعين مع المعلمين المحليين والطلاب وأهالي المنطقة لعبت دورًا محوريًا في تسريع اندماجهم أو إبطائه، فكلما وجد المتطوع قبولًا ودعمًا في مجتمعه المضيف تسارع انتقاله من موقع الغريب الوافد إلى موقع الممارس الواثق، بينما أدت تجارب العزلة والتنافر الثقافي إلى إطالة مرحلة الغموض والتوتر، وهو ما يجعل الهوية نتاجًا علاقاتيًا يتشكل بين الفرد وسياقه لا خاصية فردية تنمو بمعزل عن المحيط
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
اقترحت الدراسة في ضوء نتائجها إطار تعاون عملي يجمع الجامعة والمنطقة التعليمية والمدرسة بوصفه آلية للدعم المؤسسي لا عدسة نظرية، بحيث تضطلع الجامعات بالإعداد قبل الخدمة، وتوفر الحكومات المحلية الضمانات السياساتية، وتتكفل المدارس المستضيفة بالدمج المهني والعاطفي للمتطوعين، بما يعالج ما كشفته الدراسة من فجوات في الدعم وغموض في الأدوار، كما تسهم الدراسة في النقاشات العالمية حول هوية المعلم المبتدئ وعدالة التعليم في المناطق الريفية وخدمة المتطوعين، إذ تقدم رؤى نظرية وتوصيات قابلة للتطبيق للسياسات والممارسة، وتلفت إلى أن الاهتمام بالأبعاد العاطفية لتجربة المتطوعين شرط لاستدامة هذه البرامج ونجاحها
كما تبرز النتائج حاجة الجامعات المرسلة للمتطوعين إلى إعادة تصميم برامج الإعداد قبل الالتحاق بالخدمة بحيث تتضمن تهيئة واقعية لطبيعة الحياة والعمل في المدارس الريفية، وتدريبًا على التكيف الثقافي وإدارة التوتر، ومتابعة ميدانية مستمرة أثناء الخدمة، فضلًا عن بناء قنوات تواصل منتظمة بين المتطوع ومشرفيه تتيح له طرح ما يواجهه من غموض في دوره ومهامه أولًا بأول
وخلاصة القول إن الدراسة أبرزت أن بناء هوية متطوعي التدريس من الخريجين رحلة دينامية محفوفة بالتوترات العاطفية وواعدة بإمكانات التحول، تبدأ بدوافع أخلاقية قوية وتمر بتحديات الدور والدعم والثقافة لتنتهي بممارسين مندمجين في سياقاتهم، وأن إطار التعاون بين الجامعة والمنطقة التعليمية والمدرسة يقدم مسارًا عمليًا لدعم هذه الرحلة وتعزيز عدالة التعليم الريفي، ويرفع فرص استبقاء المتطوعين في الخدمة وإفادة المدارس الريفية من طاقاتهم








