يحتل الدمج التعليمي للأشخاص ذوي الإعاقة مكانة متنامية في السياسات التعليمية المعاصرة، غير أن التوسع الكمي في إلحاق هؤلاء الطلاب بالفصول الدامجة ومدارس التربية الخاصة لا يروي وحده قصة تجاربهم المدرسية الحقيقية، فخلف الأرقام والمؤشرات تقبع تجارب إنسانية معقدة تتشابك فيها الأبعاد الأكاديمية والاجتماعية والعاطفية، ومن هذا المنطلق تأتي هذه الدراسة لتستكشف تجارب أربعة أفراد من ذوي الإعاقة في كوريا الجنوبية خلال سنوات دراستهم، مستخدمة السرديات المضادة التي تمنح المشاركين دورًا فاعلًا في إنتاج رواياتهم وإعادة إضفاء المعنى على تجاربهم المعيشة، بما يقدم فهمًا أعمق لمعنى الدمج من منظور أصحابه أنفسهم لا من منظور المؤسسات والسياسات فحسب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تجارب التعليم المدرسي لدى أفراد من ذوي الإعاقة في كوريا الجنوبية، واستكشاف أوجه التعقيد التي تنطوي عليها تجاربهم في الفصول الدامجة ومدارس التربية الخاصة على السواء، واعتمدت الدراسة المنهج النوعي القائم على المقابلات الظاهراتية المتعمقة، إذ أجرى الباحثون سلسلة من ثلاث مقابلات معمقة مع كل مشارك من المشاركين الأربعة لاستكشاف معنى تجاربهم في سياق حياتهم، وحرصت الدراسة على أن يكون المشاركون فاعلين في إنتاج سردياتهم الخاصة، لا مجرد مصادر للبيانات، بحيث يعيدون عبر سردياتهم المضادة صياغة المعنى الذي تحمله تجاربهم المدرسية من وجهة نظرهم الذاتية
ويكتسب هذا التوجه النوعي أهميته من أن تجارب ذوي الإعاقة كثيرًا ما تُروى بأصوات الآخرين من معلمين وأسر وصانعي سياسات، فتغيب عن الصورة مشاعر أصحاب التجربة أنفسهم وتأويلاتهم لما مروا به، لذلك منحت الدراسة المشاركين موقع الراوي الفاعل الذي يعيد بناء معنى تجربته ويعارض به الروايات السائدة حوله، فجاءت السرديات المضادة أداة منهجية ومعرفية في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت نتائج الدراسة عن جوانب متعددة الأبعاد ومتداخلة الطبقات لمفهوم الدمج، تمتد من التجارب الأكاديمية المرتبطة بالتعلم والتحصيل إلى التجارب الاجتماعية المتصلة بالعلاقات مع الأقران والمعلمين والشعور بالانتماء، وأظهرت قصص المشاركين أن الدمج ليس حالة واحدة متجانسة بل تجربة متفاوتة تتشكل بتفاعل عوامل فردية ومؤسسية واجتماعية، كما بينت أن الوجود الجسدي للطالب في فصل دامج أو مدرسة خاصة لا يعادل بالضرورة تجربة دمج حقيقية يعيشها الطالب ويشعر بها، إذ تتفاوت جودة التجربة وعمقها من فرد إلى آخر تبعًا لطبيعة الدعم المقدم ومواقف المحيطين وفرص المشاركة الفعلية المتاحة
كما أظهرت النتائج أن العلاقات الاجتماعية داخل المدرسة، من قبول الأقران وتفاعل المعلمين، كانت عاملًا حاسمًا في تشكيل نظرة المشاركين إلى تجربتهم المدرسية وإلى ذواتهم، وأن لحظات الدعم والاعتراف تركت آثارًا إيجابية باقية في ذاكرتهم بقدر ما تركت تجارب الإقصاء آثارًا سلبية، وهو ما يؤكد أن الدمج تجربة علاقاتية بالدرجة الأولى لا ترتيبًا تنظيميًا يقتصر على توزيع الطلاب على الفصول والمدارس
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تستدعي نتائج الدراسة إعادة النظر في كيفية تقويم سياسات الدمج التعليمي، إذ تؤكد أنه من الأهمية بمكان تجاوز النظر إلى ما يقال عن الدمج من خلال الزيادة العددية في مواضع الإلحاق بالفصول الدامجة، والالتفات بدلًا من ذلك إلى كيفية بناء مجتمع مدرسي مرحّب بالأفراد ذوي الإعاقة يتجاوز مجرد المواضع الجسدية في الفصول الدامجة أو مدارس التربية الخاصة، كما تفيد النتائج صانعي السياسات والمعلمين في إدراك أن نجاح الدمج يقاس بجودة التجربة التي يعيشها الطالب أكاديميًا واجتماعيًا، وبمدى شعوره بالقبول والمشاركة الفاعلة، وهو ما يستلزم الاستماع إلى أصوات ذوي الإعاقة أنفسهم وإشراكهم في صياغة البرامج الموجهة إليهم
وتدعو هذه النتائج إدارات المدارس إلى تهيئة بيئات ترحيبية بالمعنى العميق للكلمة، بيئات يشعر فيها الطالب بالأمان والقبول قبل أن يُطالب بالتكيف مع متطلباتها، وإلى تدريب المعلمين على بناء علاقات داعمة مع طلابهم من ذوي الإعاقة وأقرانهم على السواء
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت عبر سرديات أربعة أفراد من ذوي الإعاقة في كوريا الجنوبية صورة غنية ومعقدة لتجارب الدمج التعليمي بأبعادها الأكاديمية والاجتماعية، وأبرزت أن الدمج الحقيقي لا يتحقق بالأرقام وعدد المواضع بل ببناء مجتمعات مدرسية مرحّبة تمنح كل طالب شعورًا أصيلًا بالانتماء والمشاركة، وهو درس يتجاوز السياق الكوري ليخاطب كل نظام تعليمي يسعى إلى دمج عادل وفعّال، ويجعل من تجربة الطالب ذاته مقياس الحكم الأول على نجاح أي سياسة دمج
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








