فرضت جائحة كورونا على مؤسسات التعليم العالي حول العالم إعادة النظر في أساليب التدريس والتعلم، وبرز في خضمها أسلوب الفصل المقلوب بوصفه إستراتيجية تعليمية بارزة اعتمدتها الجامعات على نطاق واسع خلال الجائحة، غير أن انتشار هذا الأسلوب لم يواكبه اهتمام كافٍ بقياس تجارب تعلم الطلاب في بيئاته قياسًا علميًا دقيقًا، إذ قلّت الدراسات التي تناولت بناء أدوات مقننة لرصد كيفية عيش الطلاب تجربة التعلم داخل الفصل المقلوب وتقويم جودتها، ومن هذا الفراغ المنهجي تنبع أهمية الدراسة الحالية التي تصدت لفحص صدق محتوى مقياس التعلم البنائي في بيئات التعليم العالي في سياق التعليم العالي السعودي، لتتحقق من صلاحية الأداة لقياس تجارب تعلم الطلاب في الفصول المقلوبة قياسًا يعتمد عليه الباحثون والممارسون
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم صدق محتوى مقياس التعلم البنائي في بيئات التعليم العالي، وهو مقياس صُمم لقياس تجارب تعلم الطلاب في بيئة الفصل المقلوب، ويتألف من ثمانية أبعاد تعكس جوانب متعددة من تجربة التعلم البنائي كما يعيشها الطالب الجامعي، ولتحقيق هذا الهدف اعتمد الباحثون منهجية من ثلاث مراحل لفحص صدق المحتوى، استندت إلى تقنية نسبة صدق المحتوى المبنية على تقويمات خبراء مختارين في المجال، وإلى منهجية التحليل العاملي التي تتحقق من البنية العاملية للمقياس واتساق فقراته مع الأبعاد التي تنتمي إليها، بما يجمع بين الحكم الخبير المتخصص والأدلة الإحصائية في تقويم الأداة تقويمًا متكاملًا
وتنبع أهمية هذا الفحص من أن استخدام مقاييس غير محققة الصدق في بيئات تعليمية جديدة قد يقود إلى استنتاجات مضللة حول تجارب الطلاب، فلكل بيئة تعليمية خصوصيتها الثقافية والمؤسسية التي تستدعي التحقق من ملاءمة الأداة قبل اعتمادها، وقد اختير سياق التعليم العالي السعودي ميدانًا لهذا الفحص لما يشهده من توسع في توظيف الفصل المقلوب والتعلم المدمج، وحاجة مؤسساته إلى أدوات تقويم رصينة ترصد تجربة الطالب في هذه البيئات المستحدثة رصدًا يصلح أساسًا لقرارات التطوير
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن إحدى وثلاثين فقرة من فقرات المقياس البالغ عددها اثنتين وثلاثين فقرة قد قُبلت بعد فحص صدق محتواها، في حين رُفضت فقرة واحدة فقط لم تستوفِ المعايير المعتمدة في نسبة صدق المحتوى، وهو ما يشير إلى أن الأداة تتمتع بدرجة عالية من صدق المحتوى في البيئة التي طُبقت فيها، كما دلت النتائج على أن المقياس يمتلك إمكانات قوية للاستخدام بوصفه أداة صادقة لتقويم جودة التدريس والتعلم في الفصول المقلوبة لدى طلاب التعليم العالي، بما يتيح للباحثين وأعضاء هيئة التدريس رصد تجارب تعلم الطلاب رصدًا منهجيًا يعين على تطوير الممارسات التعليمية وتجويدها
وتعني هذه النتيجة أن البنية ذات الأبعاد الثمانية للمقياس ظلت متماسكة بعد الفحص، وأن الفقرة المستبعدة لم تكن ممثلة لمحتوى بعدها تمثيلًا كافيًا في نظر الخبراء أو في التحليل العاملي، وهو إجراء طبيعي في تطوير المقاييس يرفع جودة الأداة النهائية، كما تعني أن الباحثين في البيئة السعودية بات بإمكانهم استخدام المقياس بثقة أكبر في دراساتهم اللاحقة حول التعلم البنائي والفصول المقلوبة، ومقارنة نتائجه عبر مؤسسات وتخصصات مختلفة على أساس منهجي موحد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات تطبيقية مهمة للجامعات السعودية ومؤسسات التعليم العالي عمومًا، إذ توفر لها أداة مقننة خضعت لفحص دقيق لصدق محتواها يمكن توظيفها في تقويم برامج الفصل المقلوب وقياس أثرها في تجارب تعلم الطلاب، كما تفيد القائمين على تطوير التعليم الجامعي في التعرف على جوانب القوة والضعف في بيئات التعلم المقلوب انطلاقًا من منظور الطلاب أنفسهم، وتدعم الباحثين الراغبين في دراسة التعلم البنائي بأداة تتمتع بخصائص قياسية جديرة بالثقة في مرحلة صدق المحتوى، وهو ما يعزز جودة البحوث المستقبلية في هذا المجال المتنامي ويشجع على استكمال فحص خصائص المقياس الأخرى في دراسات لاحقة
وخلاصة القول إن الدراسة أسهمت في سد فجوة منهجية في قياس تجارب تعلم الطلاب في الفصول المقلوبة، إذ تحققت من صدق محتوى مقياس التعلم البنائي في بيئات التعليم العالي بمنهجية ثلاثية المراحل جمعت بين تقويم الخبراء والتحليل العاملي، فقبلت إحدى وثلاثين فقرة من اثنتين وثلاثين، لتقدم للباحثين والممارسين في التعليم العالي السعودي أداة واعدة لتقويم جودة التدريس والتعلم في بيئات التعلم المقلوب








