شهدت بيئة العمل في السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا نقل كثيرًا من الأعمال من المكاتب التقليدية إلى المنازل، فقد غدا العمل عن بُعد ميزة يرغب فيها الموظفون ويسعون للحصول عليها، في حين ظل كثير من أصحاب العمل ينظرون إليه بوصفه ترتيبًا مؤقتًا فرضته الظروف الاستثنائية، ومع استمرار جائحة كورونا وما أحدثته من تغيّرات واسعة في أنماط العمل تغيّر مفهوم العمل عن بُعد تغيرًا عميقًا، واكتسب مكتب المنزل أهمية متزايدة جعلت من المرجح أن يصبح جزءًا أساسيًا من بيئة العمل حتى بعد انتهاء الجائحة وانحسار آثارها، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تستكشف تفضيلات الموظفين بشأن مكان العمل ووقته في مرحلة ما بعد الجائحة، مستندة إلى مقارنة بين موظفين من خلفيتين ثقافيتين مختلفتين في سلوفاكيا والكويت، بما يمنح نتائجها بعدًا مقارنًا يتجاوز السياق المحلي الواحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف على تفضيلات الموظفين المنتمين إلى خلفيات ثقافية متنوعة فيما يتصل بترتيب مكان العمل ووقته بعد انتهاء الجائحة، انطلاقًا من قناعة مفادها أن فهم هذه التفضيلات لم يعد ترفًا إداريًا بل ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في سوق العمل، إذ تتنافس المنظمات على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها عبر سياسات عمل مرنة تراعي حاجات الموظفين وظروفهم، كما سعت الدراسة إلى استكشاف مدى اختلاف هذه التفضيلات باختلاف السياق الثقافي الذي يعمل فيه الموظف، وهو ما يمنح صنّاع القرار قاعدة معرفية أوسع عند تصميم نماذج العمل المستقبلية
اعتمدت الدراسة المنهج الكمي مستخدمة أسلوب المسح بالاستبانة الإلكترونية التي وُزعت عبر شبكة الإنترنت، وجُمعت البيانات من موظفين يعملون في سلوفاكيا والكويت، بما أتاح رصد أوجه الاتفاق والاختلاف بين سياقين ثقافيين وجغرافيين متباينين، وتحليل أبعاد المرونة التي يقدّرها الموظفون في مكان العمل ووقته على السواء، والوصول إلى تصور عملي لنموذج العمل الأنسب من وجهة نظر الموظفين أنفسهم بوصفهم الطرف الأكثر تأثرًا بسياسات العمل وترتيباته
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن الموظفين يولون مرونة الوقت أهمية كبيرة تتصدر أولوياتهم، فهم يقدّرون القدرة على تنظيم ساعات عملهم بما يتوافق مع ظروفهم الشخصية والأسرية والتزاماتهم اليومية، كما بينت النتائج أن مرونة مكان العمل آخذة في النمو من حيث الأهمية في حسابات الموظفين وتقييمهم لوظائفهم، إذ لم يعد الالتزام بمقر واحد ثابت للعمل شرطًا مقبولًا لدى شريحة واسعة منهم بعد تجربة العمل من المنزل
وخلص التحليل إلى أن نموذج العمل الهجين الذي يجمع بين العمل من المكتب والعمل من المنزل يبدو الحل الأنسب والأكثر اتفاقًا مع تفضيلات الموظفين في السياقين الثقافيين كليهما، لما يحققه من توازن بين متطلبات المنظمة وحاجات الأفراد، إذ يمنح الموظف قدرًا من الاستقلالية في إدارة وقته ومكانه دون أن يفقده الانتماء المؤسسي والتفاعل المهني المباشر مع زملائه وفرق عمله، وهو ما يجعل النموذج الهجين صيغة وسطى تجمع مزايا النمطين التقليدي والمرن
وتعني هذه النتائج أن رهان الموظفين على المرونة ليس بحثًا عن الراحة فحسب، بل إعادة تعريف لعلاقتهم بعملهم تقوم على الثقة والمسؤولية مقابل الاستقلالية، وأن المنظمات التي تقرأ هذا التحول قراءة صحيحة تستطيع تحويله إلى ميزة في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها في سوق عمل تنافسية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات عملية مهمة لإدارات الموارد البشرية وصنّاع السياسات داخل المنظمات، إذ تؤكد ضرورة فهم حاجات الموظفين فيما يتصل بوقت العمل ومكانه فهمًا دقيقًا قبل تصميم سياسات العمل واعتمادها، فأماكن العمل المصممة من أجل الموظفين والتي تُظهر قدرة تنظيمية على التكيف والصمود هي وحدها القادرة على البقاء والحفاظ على قدرتها التنافسية في المستقبل، كما تفتح المقارنة بين سياقين ثقافيين مختلفين الباب أمام المنظمات العاملة في بيئات متعددة الثقافات لتصميم نماذج عمل هجينة تراعي الفروق الثقافية بين المجتمعات، وتستثمر المرونة الزمانية والمكانية بوصفها موردًا استراتيجيًا لرفع الرضا الوظيفي ودعم الإنتاجية في آن واحد
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا علميًا من سياقين ثقافيين متباينين على أن مستقبل العمل يتجه نحو نماذج هجينة مرنة تجمع بين الحضور المكتبي والعمل عن بُعد، وأن مرونة الوقت تتصدر أولويات الموظفين تليها مرونة المكان المتنامية الأهمية، وأن المنظمات التي تبني سياساتها على فهم حقيقي لحاجات موظفيها وتُظهر مرونة تنظيمية وقدرة على الصمود ستكون الأقدر على المنافسة والاستمرار في بيئة عمل متغيرة لا تعرف الثبات
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








