نمت شعبية العملات المشفرة بوصفها استثمارات بديلة خلال السنوات الأخيرة، غير أنه ظل من غير الواضح ما إذا كان مستثمروها يتصرفون بصورة غير عقلانية على نحو يشبه مستثمري الأسواق الناشئة أم أن لهم منطقًا سلوكيًا مختلفًا، وتتولى الدراسة الحالية الإجابة عن هذا السؤال عبر مراجعة منهجية للأدبيات تقارن العوامل المرتبطة بحضور الانحيازات السلوكية في سوق العملات المشفرة وأسواق الأسهم الناشئة، مبرزة أوجه التشابه والاختلاف بين سلوك المستثمرين في السوقين، ومقدمة بذلك إسهامًا ينشأ من مقارنة دور الميول السلوكية عبر سياقين استثماريين حديثي العهد نسبيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة العوامل المرتبطة بظهور الانحيازات السلوكية لدى مستثمري العملات المشفرة ومستثمري أسواق الأسهم الناشئة، والكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بين سلوك الفئتين في ظروف السوق المختلفة، واعتمدت منهج المراجعة المنهجية للأدبيات العلمية المنشورة في هذا الموضوع، فجمعت نتائج الدراسات السابقة وحللتها وقارنت بين ما توصلت إليه بشأن سلوك القطيع ومشاعر المستثمرين وردود الفعل المفرطة وغيرها من الظواهر السلوكية، بما أتاح بناء صورة تركيبية تتجاوز نتائج الدراسات المفردة وتحدد الأنماط المشتركة والمتباينة بين السوقين على أساس تراكمي موثق
ثانيًا: أبرز النتائج
بينت النتائج أن قلة المعلومات المتاحة عن الأسهم الناشئة صغيرة الرسملة أو عن العملات المشفرة أو انعدامها قد يعزز مشاعر المستثمرين وسلوك القطيع لديهم، وأن هذا السلوك الجماعي في السوقين قد ينبع من اتباع اتجاهات الاستثمار الأكثر رواجًا، كما يميل مستثمرو العملات المشفرة والأسواق الناشئة إلى المبالغة في رد الفعل تجاه مشاعر السوق وتغير أوضاعه، وتؤثر الظروف السوقية المتطرفة في قوة سلوك القطيع وأثر التصرف في الأصول وسلوك تكتّل الأسعار والسلوك الشاذ ومشاعر المستثمرين وحالة عدم اليقين في كلا السوقين بدرجات متفاوتة
وتخلص المراجعة إلى أن أسواق العملات المشفرة والأسهم الناشئة غير كفوءة معلوماتيًا في معظم الأوقات، وأن لا عقلانية المستثمرين قد تتجلى بصورة أوضح خلال مدد بعينها تشتد فيها التقلبات أو تنتشر فيها الأخبار المدوية، وأن سلوك المستثمرين في السوقين أكثر اتساقًا مع فرضية السوق التكيفية منه مع فرضية السوق الكفوءة، أي أن كفاءة السوق وسلوك أفراده يتطوران ويتغيران مع البيئة والخبرة والظروف، لا أنهما ثابتان كما تفترض النظرية الكلاسيكية لأسواق المال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح الدراسة أن يدير مستثمرو العملات المشفرة وأسواق الأسهم الناشئة محافظهم الاستثمارية بصورة نشطة بدل الاكتفاء بالاحتفاظ السلبي، نظرًا لما يطبع هذه الأسواق من عدم كفاءة معلوماتية وانحيازات سلوكية متكررة، كما تدعو صانعي السياسات إلى إيلاء إتاحة المعلومات وجودتها اهتمامًا أكبر، وبخاصة في حالة الأصول الاستثمارية صغيرة الرسملة التي يفاقم غموضها من سلوك القطيع والمبالغة في ردود الفعل، فكلما تحسنت الشفافية وجودة الإفصاح ضاقت مساحة الشائعات والاتجاهات الرائجة التي تقود قرارات المستثمرين بعيدًا عن الأسس الاقتصادية الرشيدة
وتستعرض المراجعة خريطة واسعة من الظواهر السلوكية التي تشترك فيها السوقان، فإلى جانب سلوك القطيع والمبالغة في رد الفعل يبرز أثر التصرف الذي يدفع المستثمرين إلى بيع الأصول الرابحة مبكرًا والاحتفاظ بالخاسرة طويلًا أملًا في تعويض غير مؤكد، وسلوك تكتّل الأسعار حول أرقام نفسية معينة، والسلوك الشاذ الذي ينحرف عن أي تفسير عقلاني للأسعار، وتتغذى هذه الظواهر جميعها من حساسية مفرطة تجاه مشاعر السوق الجماعية وحالة عدم اليقين التي تحيط بأصول قليلة المعلومات ضعيفة الإفصاح، فيغدو التقلب الشديد سمة مشتركة بين بورصات الأسهم الناشئة صغيرة الرسملة ومنصات العملات المشفرة رغم اختلاف طبيعة الأصول المتداولة في كل منهما اختلافًا جذريًا
ومن هنا يقترح الباحث أن فرضية السوق التكيفية تمنح إطارًا تفسيريًا أصدق من فرضية السوق الكفوءة، فالكفاءة ليست صفة ثابتة تلازم السوق بل حالة تتذبذب مع بيئة السوق وخبرة المتعاملين وجودة المعلومات المتدفقة إليهم، وقد تمر السوقان بفترات تبدو فيها الأسعار قريبة من قيمها العادلة ثم تعصف بهما موجات من المشاعر الجماعية فتبتعد الأسعار عن أي أساس اقتصادي، وهذا الفهم الديناميكي يوجه المستثمر إلى مراقبة ظروف السوق ذاتها وتعديل نشاطه الإداري لمحفظته بحسبها، ويوجه المنظمين إلى أن معالجة اللاعقلانية تبدأ من تحسين بيئة المعلومات لا من لوم المستثمرين وحدهم على انحيازاتهم المتكررة
وخلاصة القول إن مستثمري العملات المشفرة والأسواق الناشئة يتقاسمان منظومة واحدة من الانحيازات السلوكية تشمل سلوك القطيع والمبالغة في رد الفعل وتأثير التصرف، تغذيها شحة المعلومات وتقلب الظروف، وأن فهم هذه الأنماط في ضوء فرضية السوق التكيفية يمنح المستثمرين والمنظمين أدوات أصدق لإدارة المخاطر وتحسين جودة القرار الاستثماري وحماية الأسواق الفتية من موجات اللاعقلانية الجماعية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








