يمثل خفض انبعاثات الكربون من القطاعات المختلفة تحديًا محوريًا في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، ولا يقتصر هذا التحدي على الصناعة والنقل بل يمتد إلى الأسر التي تسهم بأنماط استهلاكها اليومية في البصمة الكربونية الكلية للمجتمع، ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم العوامل التي تحدد انبعاثات الكربون المنزلية فهمًا تجريبيًا دقيقًا يرشد السياسات والسلوكيات معًا، واتجهت هذه الدراسة إلى حساب انبعاثات الكربون لدى الأسر في فيتنام والعوامل المؤثرة فيها اعتمادًا على بيانات وطنية واسعة، بما يقدم صورة عن موقع الأسرة في معادلة الانبعاثات وعن الروافع الأكثر تأثيرًا في خفضها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى حساب العوامل المؤثرة في انبعاثات الكربون المنزلية في فيتنام وتحليلها، واعتمدت نموذج تحليل الانحدار متعدد المتغيرات متضمنًا متغيرات تتصل بخصائص الأسرة وخصائص رب الأسرة، واستندت إلى بيانات مسح مستويات معيشة الأسر الفيتنامية لعام 2020 الذي يجريه المكتب العام للإحصاء في فيتنام كل عامين، وقدرت الانبعاثات الكربونية أو البصمة الكربونية بدمج معاملات انبعاث مجمعة من مصادر دولية متخصصة في قواعد بيانات الانبعاثات والبصمات البيئية، بما أتاح ربط إنفاق الأسرة وأنماط معيشتها ببصمتها الكربونية ربطًا كميًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن العوامل التي تؤثر إيجابًا في إجمالي إنفاق الأسرة تؤثر إيجابًا كذلك في بصمتها الكربونية، والعكس بالعكس، فقد تبين أن الدخل وحجم الأسرة ومساحة المسكن وعدد السيارات عوامل ترفع البصمة الكربونية للأسرة كلما ازدادت، بما يعكس ارتباط الانبعاثات بمستوى المعيشة وأنماط الاستهلاك والتنقل والسكن التي تصاحبه
وفي المقابل يميل عمر رب الأسرة إلى تقليص البصمة الكربونية للأسرة، كما تبين أن الأسر المقيمة في المناطق الحضرية أكبر بصمة من الأسر الريفية، وأن الأسر المقيمة في الشقق أكبر بصمة من المقيمة في بيوت مستقلة، وأن الأسر التي يرأسها ذكور تولد انبعاثات كربونية أكبر من التي ترأسها إناث، وأن الأسر التي يتجاوز مستوى تعليم ربها المرحلة الثانوية تولد انبعاثات أكبر من غيرها، وهي نتائج ترسم ملامح الأسر الأعلى انبعاثًا وتحدد مواضع التركيز في سياسات الخفض
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
اقترحت الدراسة في ضوء هذه النتائج عددًا من التوصيات والحلول لخفض انبعاثات الكربون والمساهمة في تغيير كمية الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وتفيد هذه النتائج صانعي السياسات في تصميم تدخلات موجهة بحسب خصائص الأسر ومواقعها، وفي بناء حملات توعية تركز على أنماط الاستهلاك والتنقل والسكن الأعلى انبعاثًا، كما تفتح الدراسة المجال لمقارنات دولية حول بصمات الأسر في الاقتصادات النامية والصاعدة التي تتشابه ظروفها مع الحالة الفيتنامية
وتقوم منهجية تقدير الانبعاثات في هذه الدراسة على منطق محاسبي واضح، إذ يحول إنفاق الأسرة على السلع والخدمات إلى انبعاثات مكافئة باستخدام معاملات انبعاث معتمدة دوليًا، وهو ما يسمح بمقارنة بصمات الأسر بحسب خصائصها على أساس موحد، وتظهر قيمة هذا الأسلوب في تحديد مواضع الانبعاث الأعلى بدقة، فحين يتبين أن عدد السيارات ومساحة المسكن من أكبر الرافعات للبصمة يصبح واضحًا أن سياسات النقل وكفاءة الطاقة في المنازل هي ساحات التدخل الأكثر جدوى، كما أن ارتباط البصمة بارتفاع الدخل والتعليم يطرح تحديًا تنمويًا دقيقًا مفاده أن تحسن مستويات المعيشة يصاحبه عادة ارتفاع في الانبعاثات ما لم تصاحبه تقنيات وسلوكيات أنظف، وتستدعي هذه المعادلة سياسات تجمع بين الوعي البيئي والحوافز الاقتصادية كتسعير الكربون ودعم الأجهزة الموفرة للطاقة وتوسيع النقل العام، وتقدم البيانات الفيتنامية هنا خبرة قابلة للاستفادة في دول نامية أخرى تعرف تحولات حضرية واستهلاكية متسارعة وتحتاج إلى بناء قواعد بيانات وطنية لبصمات الأسر ترشد تخطيطها المناخي
وتمنح هذه النتائج جهات التخطيط البيئي قاعدة لتوجيه حملات التوعية والحوافز نحو الفئات والأنماط الأعلى انبعاثًا بدل الرسائل العامة، فالأسر الحضرية الكبيرة الحجم المقيمة في شقق واسعة والمقتنية لسيارات متعددة تحتاج رسائل وأدوات مختلفة عن غيرها، من ترشيد استهلاك الطاقة المنزلية إلى خيارات نقل أنظف، كما تدعم الدراسة إدراج مؤشر البصمة الكربونية المنزلية ضمن مؤشرات التنمية المستدامة التي ترصدها الأجهزة الإحصائية الوطنية دوريًا لمتابعة أثر السياسات المناخية في السلوك الأسري عبر الزمن
وخلاصة القول إن البصمة الكربونية للأسرة ليست رقمًا عشوائيًا بل نتاج منظومة من العوامل الديمغرافية والاقتصادية والسكنية القابلة للقياس والتحليل، وإن تحديد هذه العوامل بدقة على بيانات وطنية يمثل خطوة ضرورية نحو سياسات خفض واقعية تستهدف الأسر الأعلى انبعاثًا والأسباب الأعمق لأنماط الاستهلاك المسرفة








