يشهد التعليم والتدريب التقني والمهني تحولًا متسارعًا مع دخول التقنيات الرقمية إلى بيئات التعلم، إذ لم يعد إعداد المتدربين لسوق العمل مقتصرًا على المهارات اليدوية والتطبيقية، بل بات يتطلب مهارات تفكير عليا وقدرة على حل المشكلات بأساليب ابتكارية، وفي هذا السياق يبرز منهج التعليم السيبراني بوصفه مقاربة للتعليم والتعلم تدمج التقنية والأصول التربوية معًا، وتوظف إمكانات التقنيات الرقمية كالواقع الافتراضي والمحاكاة والتلعيب في بناء خبرات تعلم غامرة تشد انتباه المتعلمين وتحفز تفكيرهم، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لاختبار جدوى هذه المقاربة لدى متعلمي التعليم والتدريب التقني والمهني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد العلاقة بين استخدام منهج التعليم السيبراني وتنمية مهارات التفكير ومهارات حل المشكلات الابتكاري لدى متعلمي التعليم والتدريب التقني والمهني، وتحليل قوة الارتباط بين مهارات التفكير ومهارات حل المشكلات الابتكاري، واتخذت الدراسة تصميمًا كميًا ارتباطيًا وطبقته على عينة بلغت 164 متعلمًا من متعلمي هذا القطاع، وجمعت البيانات بأدوات قياس مخصصة لهذه المهارات، وحللتها بالإحصاءات الوصفية والاختبارات اللامعلمية، كما تناول التحليل تصورات المتعلمين حول فاعلية منهج التعليم السيبراني في تعزيز هذه المهارات لديهم، والفروق في نمو مهارات التفكير وحل المشكلات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن منهج التعليم السيبراني يمكن أن يكون وسيلة فاعلة لتعزيز مهارات التفكير لدى متعلمي التعليم والتدريب التقني والمهني، إذ ارتبط استخدامه بنمو هذه المهارات لدى المتعلمين الذين تعلموا من خلاله، بما يعزز فرضية أن الخبرات الغامرة التفاعلية التي يوفرها هذا المنهج تحفز العمليات الذهنية العليا كالتحليل والاستنتاج وتقويم الأفكار في سياقات مهنية واقعية
غير أن النتائج بينت في المقابل أن منهج التعليم السيبراني لم يكن وسيلة فاعلة لتحسين مهارات حل المشكلات الابتكاري لدى هؤلاء المتعلمين، وهو تمييز مهم يدل على أن أثر المقاربات التقنية في المهارات الذهنية ليس شاملًا بالدرجة نفسها، فقد تنجح في تنمية التفكير دون أن تنجح بالقدر ذاته في تنمية القدرة على ابتكار الحلول، ربما لاختلاف طبيعة المهارة الأخيرة وحاجتها إلى ممارسات توليدية وتجريب فعلي أوسع من نطاق الخبرات المقدمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج في تطوير إستراتيجيات تدريس فاعلة توظف التعليم السيبراني بصورة واعية لتعزيز خبرة التعلم وتحسين مهارات متعلمي التعليم والتدريب التقني والمهني، مع التنبه إلى أن تنمية حل المشكلات الابتكاري قد تتطلب أنشطة مصممة خصيصًا لهذا الغرض مكملة للخبرات الغامرة، وتسهم الدراسة كذلك في إثراء المعرفة المتنامية حول توظيف التعليم السيبراني في التعليم، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تفحص مكونات هذا المنهج كلًا على حدة وعلاقتها بمهارات نوعية مختلفة
وتفسر طبيعة التقنيات التي يوظفها التعليم السيبراني هذا التباين في النتائج، فالواقع الافتراضي والمحاكاة يضعان المتعلم أمام مواقف مهنية شبه حقيقية يمارس فيها الملاحظة والتحليل واتخاذ القرار، وهي عمليات تغذي مهارات التفكير مباشرة، أما حل المشكلات الابتكاري فيتطلب تجاوز الفهم إلى الإنتاج، أي توليد بدائل غير مألوفة وتجريبها وتحمل نتائج الفشل وإعادة المحاولة، وهي خبرات قد لا توفرها بيئات المحاكاة المغلقة ذات المسارات المحددة سلفًا، ويعني ذلك أن مصممي برامج التعليم التقني والمهني مدعوون إلى استكمال خبرات التعليم السيبراني بأنشطة مشروعات مفتوحة وتحديات تصميم حقيقية تطلب من المتعلمين ابتكار حلول لمنتجات وخدمات قائمة، كما تبرز الدراسة أهمية قياس تصورات المتعلمين أنفسهم عن فاعلية ما يتعلمون به، فهذه التصورات تؤثر في انخراطهم ودافعيتهم، وقد كشفت بيانات الدراسة عن جوانب منها تفيد في تحسين تصميم الخبرات الغامرة المقبلة ومواءمتها مع خصائص المتعلمين المهنيين، بما يجعل توظيف التقنية قرارًا تربويًا مدروسًا لا مجرد استجابة لضغوط التحول الرقمي
ومن الملائم التأكيد على أن طبيعة عينة الدراسة من متعلمي التعليم والتدريب التقني والمهني تجعل نتائجها ذات صلة مباشرة بقطاع يعول عليه في تأهيل القوى العاملة الماهرة، إذ إن إعداد فنيين قادرين على التفكير النقدي وحل المشكلات هدف جوهري لهذا النوع من التعليم، ومن هنا فإن معرفة حدود فاعلية المقاربات التقنية الغامرة تعد بذاتها مساهمة عملية توجه الموارد نحو ما يثبت نفعه من الأدوات والأساليب
وخلاصة القول إن منهج التعليم السيبراني واعد في تنمية مهارات التفكير لدى متعلمي التعليم التقني والمهني، لكن أثره في حل المشكلات الابتكاري ظل محدودًا في هذه الدراسة، وهو ما يدعو مصممي المناهج المهنية إلى توظيفه بوعي انتقائي يوازن بين إمكاناته الغامرة وبين أنشطة تعلم أخرى تستهدف الابتكار في حل المشكلات استهدافًا مباشرًا








