يمثل مفهوم الذات أحد العوامل النفسية المهمة في مسار التعلم، إذ يرتبط بما يدركه التلميذ عن قدراته وإمكاناته من أثر في دافعيته ومثابرته وتحصيله الدراسي، وتزداد أهمية هذا المفهوم لدى التلاميذ ذوي صعوبات التعلم والاحتياجات التربوية الخاصة، الذين قد يواجهون تحديات مضاعفة في بناء صورة إيجابية عن ذواتهم داخل الصف، ويعد التعليم الدمجي بيئة واعدة لتعزيز مفهوم الذات والتحصيل معًا متى توافرت فيه ممارسات داعمة مدمجة في النشاط الصفي اليومي، ومن هنا اتجهت هذه الدراسة إلى فحص العلاقة بين مفهوم الذات والأداء الأكاديمي لدى تلاميذ بصفات تعليمية متباينة داخل بيئة دمجية قائمة بذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث العلاقة بين مفهوم الذات والأداء الأكاديمي لدى التلاميذ ذوي صعوبات التعلم والاحتياجات التربوية الخاصة ومقارنتهم بأقرانهم، واتخذت تصميمًا طوليًا غير تجريبي في بيئة تعليمية دمجية دون تطبيق برامج تدخل محددة أو خارجية، وشملت العينة 112 تلميذًا من صفوف تعادل الصفوف من الثالث إلى الخامس في المرحلة الابتدائية والصف الأول من التعليم الثانوي، وقيم الأداء الأكاديمي بمعيار تقدير مصمم خصيصًا لهذا الغرض، بينما قيس مفهوم الذات باختبار مخصص لقياس أبعاده، وحللت البيانات باختبارات ت وتحليل التباين ومعامل الارتباط بيرسون
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تحسنًا في الأداء الأكاديمي ومفهوم الذات معًا عبر مدة الدراسة، وبرز هذا التحسن بصورة خاصة لدى التلاميذ ذوي صعوبات التعلم، بما يشير إلى أن البيئة الدمجية القائمة، بما تتيحه من تفاعل مع الأقران ودعم مدمج في الصف، أسهمت في تقدم هؤلاء التلاميذ أكاديميًا ونفسيًا دون حاجة إلى برامج خارجية منفصلة عن سياقهم التعليمي الطبيعي
ووجدت الدراسة كذلك ارتباطًا دالًا بين أبعاد مختلفة من الأداء الأكاديمي ومفهوم الذات الأكاديمي، بما يؤكد الطبيعة التبادلية للعلاقة بينهما، فكلما تحسن أداء التلميذ تعززت صورته عن ذاته بوصفه متعلمًا، وكلما ارتفع مفهوم ذاته الأكاديمي ازدادت فرص تقدمه في التعلم، وتتسق هذه النتيجة مع الأدبيات التي تعد مفهوم الذات الأكاديمي متغيرًا وسيطًا مهمًا في تفسير التحصيل لدى التلاميذ ذوي الاحتياجات المتنوعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز هذه النتائج إمكانات البيئات التربوية الدمجية والدعم المدمج القائم على الصف في تعزيز التحصيل الدراسي والنمو الاجتماعي الوجداني معًا، ولا سيما لدى التلاميذ ذوي الاحتياجات التعليمية المتنوعة، وتدعو إلى الاستثمار في ممارسات الدمج النوعية داخل الصفوف العادية وتدريب المعلمين على توظيفها، بوصفها بديلًا واعدًا أو مكملًا للبرامج العلاجية المنفصلة، كما تفتح الدراسة أفقًا لبحوث طولية أوسع تتبع مسارات مفهوم الذات والتحصيل عبر مراحل تعليمية متعاقبة
ويستدعي التحسن المتزامن في الأداء ومفهوم الذات لدى التلاميذ ذوي صعوبات التعلم وقفة تأملية، فهؤلاء التلاميذ غالبًا ما يوصفون باحتياجاتهم العلاجية بينما تغفل قدرتهم على التقدم داخل بيئات تعلم عادية مهيأة جيدًا، وتشير هذه الدراسة إلى أن الدمج الفعال ليس مجرد حضور جسدي للطالب داخل الصف العادي، بل منظومة دعم مدمجة تشمل تكييف الأنشطة وتقويمًا مراعيًا للفروق وعلاقات أقران داعمة، وتلعب العلاقة التبادلية بين مفهوم الذات الأكاديمي والتحصيل دورها هنا، فنجاحات صغيرة متكررة يحققها التلميذ داخل الصف تبني صورته عن ذاته متعلمًا قادرًا، وهذه الصورة بدورها تدفعه إلى بذل جهد أكبر والمثابرة أمام الصعوبات، في حلقة موجبة يصعب توليدها في بيئات عزل منفصلة عن الأقران، ومن الدلالات العملية لهذه النتائج ضرورة تدريب معلمي الصفوف العادية على ممارسات الدمج النوعي وتزويدهم بأدوات تقويم تراعي التقدم الفردي لكل تلميذ، وبناء شراكات مع الأسر لمتابعة تطور مفهوم الذات لدى أبنائهم إلى جانب تحصيلهم
وتتعزز قيمة هذه النتائج بكون البيئة الدمجية المدروسة بيئة طبيعية قائمة لم تنشأ خصيصًا لأغراض البحث، فما رصدته الدراسة من تحسن يعكس ما يمكن أن تحدثه الممارسات الدمجية اليومية الراسخة في مدارس عادية الموارد، ويؤكد لإدارات المدارس أن الاستثمار في ثقافة الدمج وتدريب المعلمين عليها ليس ترفًا تربويًا بل مدخل مؤثر في تحصيل جميع التلاميذ وصورتهم عن ذواتهم دون استثناء
وخلاصة القول إن العلاقة بين مفهوم الذات والأداء الأكاديمي علاقة موجبة متبادلة تتجلى بوضوح في البيئات الدمجية، وإن تحسن التلاميذ ذوي صعوبات التعلم في المجالين معًا دون برامج خارجية محددة يؤكد أن جودة الدمج اليومي داخل الصف تصنع فرقًا حقيقيًا في تعلم التلاميذ وصورتهم عن ذواتهم








