تتناول هذه الدراسة العلاقات المتداخلة بين التحضر واستهلاك الطاقة المتجددة وغير المتجددة وجودة البيئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي منطقة تمتلك قدرات هائلة لتوليد الطاقة المتجددة لكن معظم بلدانها لم تتبنها بعد تبنيًا كاملًا، إذ ما تزال المصادر غير المتجددة مهيمنة على مزيج الطاقة فيها، وقد فحصت الدراسة هذه العلاقات في ست دول من المنطقة خلال الفترة من عام ألف وتسعمائة وتسعين إلى عام ألفين وواحد وعشرين، مع مراعاة أدوار التحضر والنمو الاقتصادي ورأس المال البشري والأنشطة التصنيعية في تشكيل جودة البيئة والانبعاثات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير الآثار قصيرة وطويلة الأجل لمتغيرات الدراسة في جودة البيئة، وفحص اتجاهات العلاقات السببية بينها على مستوى المنطقة وعلى مستوى كل دولة على حدة، واعتمدت مجموعة من الأساليب القياسية المتقدمة لبيانات اللوحات، منها متوسط المجموعة ومتوسط مجموعة المربعات الصغرى الدينامية والأثر المرتبط المشترك ومتوسط المجموعة المعزز ونموذج الانحدار الذاتي ذي الفجوات الموزعة المعزز مقطعيًا، وتعدد هذه الأساليب وتكاملها منح النتائج قوة تحقق متقاطعة، إذ قورنت التقديرات عبر مناهج مختلفة للوصول إلى استنتاجات أكثر رسوخًا حول طبيعة العلاقات المدروسة
وانطلقت الدراسة من إطار نظري يربط بين التحضر والنمو من جهة والضغوط البيئية من جهة أخرى، ويفترض أن للطاقة المتجددة والأنشطة التصنيعية أدوارًا قد تكون إيجابية في جودة البيئة خلافًا للتصورات الشائعة، بينما قد يمارس التحضر وتنمية رأس المال البشري آثارًا معاكسة عبر توسع الاستهلاك والطلب على الطاقة، وسعت الدراسة إلى اختبار هذه الفروض ببيانات فعلية ممتدة لأكثر من ثلاثة عقود شهدت فيها المنطقة تحولات عمرانية واقتصادية واسعة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج تقدير المربعات الصغرى الدينامية أن الطاقة المتجددة والأنشطة التصنيعية تسهم إسهامًا دالًا في تحسين جودة البيئة، في حين يسهم التحضر وتنمية رأس المال البشري في تدهورها بصورة دالة، وأكدت تقديرات النموذج المعزز مقطعيًا في الأجلين القصير والطويل أن الأنشطة التصنيعية تسهم إسهامًا دالًا في جودة البيئة، وهي نتائج لافتة تدعو إلى إعادة النظر في افتراض أن التصنيع عدو البيئة بالضرورة، إذ قد تترافق الصناعة الحديثة مع تقنيات أنظف وطاقة أرشد استخدامًا
وعلى مستوى الدول فرادى كشفت النتائج عن علاقات سببية أحادية الاتجاه من النمو الاقتصادي والقيمة المضافة التصنيعية والتحضر وتنمية رأس المال البشري إلى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المملكة العربية السعودية، وعلاقة سببية أحادية من القيمة المضافة التصنيعية إلى الانبعاثات في الأردن، وعلاقة مماثلة من التحضر إلى الانبعاثات في تونس، بما يبين تباين خرائط السببية البيئية بين دول المنطقة واختلاف محركات الانبعاثات فيها، ومن ثم اختلاف أولويات السياسات البيئية المناسبة لكل دولة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات مهمة لصانعي السياسات البيئية والطاقية في المنطقة، إذ تدعم تسريع تبني الطاقة المتجددة التي تزخر بها المنطقة بوصفها رافعة مؤكدة لجودة البيئة، وتشجع تطوير الأنشطة التصنيعية ذات التقنيات النظيفة بدل شيطنتها أو تقييدها، بينما تنبه إلى ضرورة إدارة التحضر المتنامي وربط تنمية رأس المال البشري بوعي بيئي وممارسات استهلاك مستدامة حتى لا تتحول مكاسب التنمية البشرية إلى أعباء انبعاثات، كما تفيد النتائج في تصميم سياسات متمايزة لكل دولة بحسب خريطة السببية الخاصة بها بدل الوصفات الموحدة
كما تبين الدراسة أن هيمنة الطاقة غير المتجددة على مزيج الطاقة في المنطقة رغم وفرة الإمكانات الشمسية والرياح تمثل فجوة سياسات أكثر منها فجوة موارد، فحيثما توفرت أطر تنظيمية محفزة تسارع الاستثمار في المصادر المتجددة وتحسنت المؤشرات البيئية، وتدعو النتائج إلى معالجة التحضر بوصفه متغيرًا بيئيًا بامتياز عبر تخطيط عمراني موفر للطاقة وبنية نقل جماعي فعالة، وإلى توجيه تنمية رأس المال البشري نحو مهن الاقتصاد الأخضر ومهاراته حتى يتحول أثرها من ضغط على البيئة إلى رافعة لتحسينها واستدامتها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة فحصت بأساليب قياسية متعددة العلاقة بين التحضر والطاقة المتجددة وغير المتجددة وجودة البيئة في ست دول من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر ثلاثة عقود، فأثبتت أن الطاقة المتجددة والأنشطة التصنيعية تدعمان جودة البيئة بينما يضغط التحضر وتنمية رأس المال البشري عليها، ورسمت خرائط سببية متمايزة للدول المدروسة، ومن ثم تقدم أساسًا كميًا لسياسات طاقية وبيئية تستثمر مقومات المنطقة الشمسية والصناعية وتدير تحدياتها العمرانية بوعي
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








