تتناول هذه الدراسة قضية محورية في إدارة التعليم العالي، وهي إنتاجية أعضاء هيئة التدريس البحثية وجودة مخرجاتهم العلمية، لما لها من أثر مباشر في سمعة المؤسسة الجامعية وتصنيفها بين الجامعات، غير أن هذه الإنتاجية تتباين بين التخصصات الأكاديمية وتتأثر بعوامل متعددة فردية ومؤسسية وظرفية، وقد سعت الدراسة إلى بحث أثر التخصص الأكاديمي في إنتاجية أعضاء هيئة التدريس وجودة أبحاثهم في كلية الآداب والعلوم بالجامعة اللبنانية الأميركية، واستكشاف العوامل التي يمكن أن تؤثر في هذه الإنتاجية من وجهة نظر أعضاء هيئة التدريس أنفسهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس إنتاجية أعضاء هيئة التدريس وجودة أبحاثهم عبر مؤشرات كمية تشمل عدد المنشورات وأنماط النشر المفضلة ومتوسط عدد الاستشهادات لكل منشور، كما هدفت إلى تقدير آثار العوامل الفردية والمؤسسية والظرفية في الإنتاجية البحثية من خلال استبانة وزعت على أعضاء هيئة التدريس في الكلية، واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي في معالجة بيانات المنشورات والاستشهادات ومقارنتها بين مجموعتين كبيرتين من التخصصات، هما التخصصات الصلبة ذات الطابع العلمي التجريبي، والتخصصات اللينة ذات الطابع الإنساني والاجتماعي، بما أتاح رصد الفروق بينهما رصدًا منهجيًا
وانطلقت الدراسة من افتراض أن طبيعة التخصص تفرض إيقاعًا مختلفًا للإنتاج العلمي وأنماطًا متباينة للنشر والاستشهاد، وأن عوامل مثل التعاون الدولي وأعباء التدريس والتمويل والمعدات البحثية تتفاعل مع طبيعة التخصص فتضخم الفروق أو تخففها، ومن ثم جمعت الدراسة بين البيانات الببليومترية الموضوعية وتصورات أعضاء هيئة التدريس الذاتية للعوائق والممكنات، لتقدم صورة متكاملة عن واقع النشاط البحثي في الكلية وعن مدى تأثره بالظروف الاستثنائية التي مر بها لبنان في السنوات الأخيرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أعضاء هيئة التدريس في التخصصات الصلبة أكثر إنتاجية وأعلى استشهادًا بأعمالهم من نظرائهم في التخصصات اللينة، غير أن المجموعتين تتجهان إلى استهداف المجلات العلمية الرصينة بالمعدل ذاته تقريبًا، بما يعني أن الفرق يكمن في حجم الإنتاج وانتشاره لا في الطموح نحو الجودة، كما تبين أن التعاون الدولي متنبئ مهم بالإنتاجية البحثية المتقدمة في التخصصات الصلبة، إذ يرتبط الانخراط في شبكات بحثية عالمية بزيادة المنشورات والاستشهادات، وهي نتيجة تحمل دلالة عملية لإدارات الجامعات الراغبة في رفع إنتاجية باحثيها
وأظهرت النتائج اتفاق أعضاء هيئة التدريس في المجموعتين على أن أعباء التدريس تحد من الوقت المتاح للبحث العلمي، وأن التمويل البحثي والمعدات يحتاجان إلى تحسين ملموس، كما رصدت الدراسة أثر الظروف الضاغطة، إذ أدت إجراءات الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا والأزمة الاقتصادية في لبنان إلى تراجع النشاط البحثي لدى أعضاء هيئة التدريس في التخصصات الصلبة على وجه الخصوص، بما يعكس حساسية البحث التجريبي للظروف المحيطة واعتماده على المختبرات والتمويل المستقر
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات تطبيقية لصانعي السياسات الجامعية، إذ تدعو إلى سياسات دعم متمايزة تراعي خصوصية كل مجموعة تخصصية بدل التعامل الموحد مع الإنتاجية، فالتخصصات اللينة قد تحتاج إلى حوافز تناسب أنماط نشرها الأبطأ وأثرها المتأخر، بينما تستفيد التخصصات الصلبة من توسيع فرص التعاون الدولي وتأمين التمويل والمعدات، كما تؤكد النتائج أهمية إعادة النظر في أعباء التدريس بما يوفر وقتًا محميًا للبحث، وتفيد الدراسة كذلك في مناقشات التصنيف الجامعي إذ تنبه إلى أن مقارنة الإنتاجية الخام بين التخصصات دون مراعاة طبيعتها قد تكون مضللة
وتفصل الدراسة بين ثلاثة أنماط من العوامل المؤثرة في الإنتاجية، فالعوامل الفردية تتصل بخصائص عضو هيئة التدريس وخبرته وشبكاته البحثية، والعوامل المؤسسية تتصل بسياسات الجامعة ودعمها وأعباء العمل فيها، والعوامل الظرفية ترتبط بأحداث عابرة كالأزمات والجوائح، وقد أظهر قياس هذه العوامل عبر الاستبانة تفاعلها المشترك في تفسير الفروق بين التخصصات، إذ لا يعمل أي عامل بمعزل عن الباقين، وهو ما يعزز الدعوة إلى معالجات شاملة لا إجراءات جزئية متفرقة عند التخطيط لدعم البحث العلمي في الجامعات وتوزيع مواردها بين الكليات والأقسام
وخلاصة القول إن إنتاجية أعضاء هيئة التدريس بالجامعة اللبنانية الأميركية وجودة أبحاثهم يتشكلان بتفاعل طبيعة التخصص مع عوامل فردية ومؤسسية وظرفية، فقد تفوقت التخصصات الصلبة في حجم الإنتاج والاستشهادات مع تساوي الطموح نحو المجلات الرصينة، وبرز التعاون الدولي عاملًا داعمًا قويًا، واتفق الجميع على ضغط أعباء التدريس وحاجة التمويل والمعدات إلى تحسين، وعلى أثر الجائحة والأزمة الاقتصادية في النشاط البحثي، ومن ثم تقدم الدراسة أساسًا واقعيًا لسياسات جامعية أكثر إنصافًا وفعالية في دعم البحث العلمي عبر التخصصات








