يمثل الغش التعاقدي، أي استعانة الطلاب بآخرين لإنجاز واجباتهم الأكاديمية نيابة عنهم وتقديمها بوصفها عملهم الخاص، تحديًا كبيرًا في البيئات الأكاديمية، لأنه يقوّض نزاهة التعليم والتقويم وينتهك المعايير الأخلاقية للدراسة، وقد أثار ظهور نماذج اللغة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مثل تشات جي بي تي، مخاوف جديدة من دورها المحتمل في تسهيل هذا الغش وزيادة حوادثه، إذ تستطيع هذه النماذج توليد نصوص شبيهة بنصوص البشر بسهولة، ومن هنا نشأت الحاجة إلى مقاربات مبتكرة لكشف الغش التعاقدي ومعالجة آثاره في النزاهة الأكاديمية، تكمل أدوات كشف الانتحال التقليدية ولا تكتفي بها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تقديم نموذج للتعلم الآلي يركز على تحديد الانحرافات عن أسلوب الكتابة الفريد للمتعلم، أي بصمته اللغوية، لكشف الغش التعاقدي، وقد شارك في الدراسة مائة وخمسون متعلمًا من تخصصي الهندسة وإدارة الأعمال يدرسون الإنجليزية لغة أجنبية في إحدى الكليات بالمملكة العربية السعودية، وطُلب منهم إنتاج مقالات وصفية بالإنجليزية ضمن نوع كتابي ثابت على مدى فصل دراسي واحد، فتكونت بذلك نصوص متتابعة لكل متعلم تسمح ببناء بصمته الأسلوبية، وتضمنت المعالجة تهيئة البيانات ثم تحويلها بأسلوب تردد المصطلح ومعكوس تردد الوثيقة، وطُبقت إعادة المعاينة العشوائية الزائدة لمعالجة عدم توازن البيانات، ودُرّب نموذج الانحدار اللوجستي بقيم مثلى للمعاملات فُحصت بالبحث الشبكي
وقد اختير متعلمو الإنجليزية لغة أجنبية من تخصصي الهندسة وإدارة الأعمال لما تمثله هذه الفئة من حضور واسع في التعليم الجامعي، ولأن كتاباتهم المتتابعة في نوع وصفي ثابت عبر فصل دراسي كامل وفرت مادة لغوية كافية لبناء البصمة الأسلوبية لكل متعلم، فالمقالات المكتوبة في النوع ذاته وعلى فترات متقاربة تسمح بمقارنة عادلة بين النصوص، وتجعل أي انحراف حاد عن الأسلوب المعتاد مؤشرًا يستحق الانتباه والفحص، دون أن يعني ذلك بالضرورة ثبوت الغش
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن نموذج التعلم الآلي كان فعالًا في تحديد المقالات غير المتسقة مع بصمة المتعلم الأسلوبية، وأن الدقة تحسنت بعد تطبيق إعادة المعاينة العشوائية الزائدة لمعالجة عدم التوازن، فقد حقق نموذج الانحدار اللوجستي دقة بلغت 98.03 في المئة، وضبطًا بلغ 98.52 في المئة، واستدعاء بلغ 98.03 في المئة، ودرجة توافقية بلغت 98.24 في المئة، وهي مؤشرات أداء مرتفعة تدل على قدرة البصمة اللغوية على التمييز بين كتابة الطالب الأصيلة والكتابة المنحرفة عن أسلوبه المعتاد، بما يجعل النموذج مؤشرًا واعدًا على حوادث الغش التعاقدي
غير أن الدراسة تشدد على ضرورة تفسير نتائج النموذج بحذر، فهي لا تشكل دليلًا قاطعًا على الغش، بل تعد أساسًا لمزيد من التحقيق والتحقق قبل أي إجراء، كما تبرز الدراسة الآثار الأخلاقية لمثل هذه المقاربات الآلية في اتهام الطلاب، وتقترح مسارات للبحث المستقبلي تشمل استكشاف قابلية النموذج للتطبيق على الكتاب بلغة أولى، وإجراء دراسات طولية حول تطور لغة متعلمي اللغة الثانية عبر فترات أطول، للتحقق من ثبات البصمة اللغوية وتغيرها عبر الزمن
وتوزعت مؤشرات الأداء التي قُيم بها النموذج بين الدقة العامة في التصنيف، والضبط الذي يقيس صحة التنبيهات الصادرة عنه، والاستدعاء الذي يقيس قدرته على التقاط الحالات الفعلية، والدرجة التوافقية التي توازن بين الضبط والاستدعاء في قيمة واحدة، وقد جاءت هذه المؤشرات جميعها مرتفعة ومتقاربة، بما يدل على توازن النموذج وعدم ميله إلى تضخيم التنبيهات أو تفويت الحالات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد دلالات هذه الدراسة المعلمين والمؤسسات التعليمية بأن كشف الغش التعاقدي في زمن نماذج اللغة الكبيرة يتطلب أدوات جديدة تتجاوز مطابقة النصوص المنتحلة إلى تحليل الأسلوب الفردي لكل متعلم، وأن نموذج البصمة اللغوية يمكن أن يوفر أداة إضافية لدعم النزاهة الأكاديمية حين يُستخدم بوصفه مؤشرًا يستدعي التحقيق لا حكمًا نهائيًا، كما تنبه النتائج إلى البعد الأخلاقي في توظيف الذكاء الاصطناعي رقابيًا على الطلاب، بما يقتضي سياسات مؤسسية واضحة تضمن العدالة والشفافية وحق الطالب في الدفاع عن عمله
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدمت نموذج تعلم آلي يعتمد البصمة اللغوية للمتعلم لكشف الغش التعاقدي بدقة عالية، في سياق طلاب يدرسون الإنجليزية لغة أجنبية في المملكة العربية السعودية، وأكدت في الوقت نفسه أن قوة النموذج الإحصائية لا تغني عن الحذر الأخلاقي والتحقق البشري، وأن مستقبل النزاهة الأكاديمية يقوم على توازن دقيق بين التقنية والعدالة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








