على الرغم من التقدم التشريعي الذي أحرزته تونس في مواجهة العنف ضد المرأة، ما يزال العنف من الشريك الحميم مشكلة واسعة الانتشار، إذ كثيرًا ما تعزز الأعراف الثقافية والمنظومات الاجتماعية الصمت وسلطة الرجل على المرأة، فتجد الضحية نفسها محاصرة بين ألم التجربة وصعوبة البوح وطلب العون، ولا يقتصر أثر هذا العنف على الإيذاء الظاهر، بل يمتد عميقًا إلى البنية العاطفية للضحية، فيشكل إدراكها لذاتها وعلاقتها بشريكها وقدرتها على التعبير عن مشاعرها، ومن هنا تنبع أهمية الدراسة المنشورة في مجلة العلوم الاجتماعية، إذ تسعى إلى استكشاف خصائص العنف من الشريك الحميم وتقويم الإساءة العاطفية والتبعية العاطفية وعجز التعبير عن المشاعر وتقدير الذات لدى النساء الضحايا، بما يمهد لفهم نفسي أعمق يفيد في تصميم الحماية والتدخل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف خصائص العنف من الشريك الحميم، وتقويم مستويات الإساءة العاطفية والتبعية العاطفية والألكسيثيميا، أي عجز التعبير عن المشاعر وتمييزها ووصفها، وتقدير الذات لدى النساء ضحايا هذا العنف، واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا قائمًا على الملاحظة، وشملت مئة وعشرين امرأة من ضحايا العنف من الشريك الحميم قصدن طلب الخبرة والمساعدة في قسم الطوارئ النفسية بمدينة صفاقس التونسية، وجمعت البيانات عبر زيارات طبية فردية باستخدام بطارية من المقاييس النفسية المعتمدة، هي مقياس الإساءة العاطفية، ومقياس التبعية العاطفية، ومقياس تورونتو للألكسيثيميا، ومقياس روزنبرغ لتقدير الذات، ثم حللت الاستجابات إحصائيًا لوصف انتشار هذه الخصائص النفسية وفحص الارتباطات القائمة بينها لدى عينة الضحايا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج صورة نفسية قاسية لعينة الضحايا، فقد تأثرت نسبة 75.8 في المئة من النساء المشاركات بالعنف العاطفي الشديد، وبلغت نسبة من كن تابعات عاطفيًا لأزواجهن 38.3 في المئة، بينما ظهرت الألكسيثيميا لدى 59.2 في المئة منهن، ووصلت نسبة ذوات تقدير الذات المنخفض إلى 83.3 في المئة، وهي نسب ترسم ملامح تجربة نفسية منهكة تتقاطع فيها الإساءة المستمرة مع هشاشة الصورة الذاتية وصعوبة التعبير عن المشاعر والارتباط التابع بالمعتدي ذاته، كما كشفت التحليلات عن ارتباطات ذات دلالة بين المتغيرات المدروسة، إذ ارتبطت درجات الإساءة العاطفية ارتباطًا إيجابيًا بدرجات التبعية العاطفية عند مستوى دلالة 0.026 وبمعامل ارتباط قدره 0.204، أي إنه كلما اشتدت الإساءة العاطفية ازدادت تبعية الضحية العاطفية لشريكها، وارتبط وجود الألكسيثيميا لدى الضحايا ارتباطًا دالًا بتبعيتهن العاطفية لأزواجهن عند مستوى دلالة 0.004، ما يشير إلى تشابك بين صعوبة التعرف على المشاعر والتعبير عنها والبقاء النفسي في مدار العلاقة المؤذية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد نتائج الدراسة أن مراعاة الملامح العاطفية للنساء ضحايا العنف من الشريك الحميم تنطوي على مضامين مهمة لتصميم تدخلات وقائية وعلاجية فعالة، فبرامج دعم الضحايا التي تكتفي بالحماية القانونية أو الإيواء المؤقت تظل قاصرة ما لم تعالج الطبقات النفسية العميقة التي تبقي الضحية أسيرة العلاقة، كتقدير الذات المنخفض والتبعية العاطفية وعجز التعبير عن المشاعر، ويمكن للممارسين في أقسام الطوارئ النفسية ومراكز الإصغاء والحماية توظيف هذه النتائج في بناء فحص نفسي مبكر يقيس هذه الأبعاد عند أول اتصال بالضحية، وتوجيه خطط مرافقة فردية تستهدف استعادة الاستقلالية العاطفية وبناء صورة ذات إيجابية وتدريب مهارات التعرف على المشاعر والتعبير عنها، كما تفيد النتائج جهود الوقاية المجتمعية في تفكيك الأعراف التي تسكت الضحايا وتمجد تحملهن، فالمعركة مع هذا العنف نفسية وثقافية بقدر ما هي تشريعية، مهما تقدمت النصوص القانونية
وتشير طبيعة العينة المأخوذة من قسم طوارئ نفسية إلى أن هؤلاء النساء وصلن إلى نقطة طلب مساعدة تخصصية، ما يجعل خصائصهن النفسية الموثقة ذات دلالة إكلينيكية مباشرة للممارسين الذين يستقبلون حالات مماثلة يوميًا، فمعدلات الإساءة العاطفية الشديدة وتقدير الذات المنخفض ليستا أرقامًا مجردة، بل مؤشرات توجه أسئلة الفحص الأول وأولويات المرافقة منذ اللقاء الأول، كما أن ارتباط الألكسيثيميا بالتبعية العاطفية يلفت إلى أن بعض الضحايا قد يعجزن أصلًا عن تسمية ما يشعرن به وطلب المساعدة المناسبة، فيحتجن إلى عمل علاجي يبني الوعي العاطفي تدريجيًا قبل مطالبتهن بقرارات مصيرية كترك العلاقة أو الشروع في إجراءات قانونية معقدة وطويلة
وخلاصة القول إن النساء ضحايا العنف من الشريك الحميم في هذه الدراسة التونسية يعانين أعباء عاطفية متراكبة، من إساءة عاطفية شديدة لدى أغلبهن، إلى تقدير ذات منخفض، وألكسيثيميا وتبعية عاطفية ترتبط بالإساءة ذاتها، وهو ما يجعل العناية بالملف النفسي العاطفي للضحية مدخلًا لا غنى عنه لأي وقاية أو تدخل فعال يعيد إليها استقلاليتها وكرامتها








