يرتبط الانتشار الواسع لتعليم اللغة الصينية حول العالم ارتباطًا وثيقًا بجودة إعداد معلمي هذه اللغة قبل التحاقهم بالخدمة داخل الصين، إذ يشكل هؤلاء المعلمون الحلقة الأساسية في نقل اللغة وتعليمها للأجيال والأمم المختلفة، ويحتل انخراطهم الوكيل في برامج إعدادهم موقعًا مهمًا في بناء قدراتهم المهنية وتطورهم الوظيفي، فالمعلم المتدرب لا يتلقى المعرفة بصورة سلبية، بل يشارك بفاعلية في أنشطة المقررات، ويبادر إلى طرح الأسئلة وتقديم المقترحات والتأثير في مسار تعلمه ذاته، ومن هنا تبرز أهمية فهم العوامل الدافعية التي تدفع معلمي اللغة الصينية قبل الخدمة إلى هذا النمط من الانخراط، وكيفية تفاعل حاجاتهم النفسية الأساسية مع شعورهم بالكفاءة الذاتية في المقررات لتفسيره، وهو ما تتصدى له هذه الدراسة المنشورة في مجلة ساج أوبن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى فحص العملية التي تؤثر من خلالها الحاجات النفسية الأساسية، وهي الحاجة إلى الاستقلالية والحاجة إلى الكفاءة والحاجة إلى الارتباط بالآخرين، إلى جانب الكفاءة الذاتية في المقرر، بوصفها عوامل دافعية، في الانخراط الوكيل لدى معلمي اللغة الصينية قبل الخدمة، بما يساعدهم على المشاركة النشطة في أنشطة المقررات والإعداد الكامل لمستقبلهم المهني في تعليم اللغة الصينية، وانطلقت الدراسة في ذلك من دعامتين نظريتين متكاملتين، هما نظرية تقرير المصير التي تفسر الدافعية الإنسانية في ضوء إشباع الحاجات النفسية الأساسية، والنظرية المعرفية الاجتماعية التي تبرز دور معتقدات الفرد عن كفاءته الذاتية في توجيه سلوكه ومثابرته، وقد شارك في الدراسة مئتان وواحد من معلمي اللغة الصينية قبل الخدمة ينتمون إلى ست جامعات عامة متخصصة في الآداب والعلوم الإنسانية في مدينة بكين الصينية، واعتمدت الدراسة على منهج كمي تحليلي استخدم نمذجة المعادلات البنائية لاختبار العلاقات المباشرة بين المتغيرات، وفحص دور الكفاءة الذاتية في المقرر متغيرًا وسيطًا بين الحاجات النفسية الأساسية الثلاث والانخراط الوكيل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج نمذجة المعادلات البنائية أن الحاجات النفسية الأساسية الثلاث، أي الحاجة إلى الاستقلالية والحاجة إلى الكفاءة والحاجة إلى الارتباط، تتنبأ تنبؤًا مباشرًا بكل من الكفاءة الذاتية في المقرر والانخراط الوكيل لدى معلمي ما قبل الخدمة، فكلما شعر المتدرب بحرية أكبر في توجيه تعلمه، وبقدرة أعلى على إتقان متطلبات مقرراته، وبروابط أعمق مع زملائه وأساتذته، ارتفع شعوره بكفاءته الذاتية وزاد انخراطه النشط والمبادر في أنشطة التعلم، كما أظهرت النتائج أن للكفاءة الذاتية في المقرر أثرًا إيجابيًا مباشرًا في الانخراط الوكيل، فالمتدرب الذي يثق بقدرته على النجاح في المقرر يكون أكثر استعدادًا للمبادرة والتعبير عن آرائه والمشاركة في تشكيل تجربته التعليمية، وبيّنت النتائج كذلك أن الكفاءة الذاتية في المقرر تؤدي دور الوساطة الجزئية في العلاقة بين كل حاجة من الحاجات الأساسية الثلاث والانخراط الوكيل، أي إن أثر الحاجات النفسية في الانخراط يمر جزئيًا عبر بناء شعور المتدرب بكفاءته، مع بقاء أثر مباشر للحاجات ذاتها في الانخراط لا يفسره هذا المسار الوسيط وحده
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة أهمية العناية بالحاجات النفسية الأساسية الثلاث وبإحساس الكفاءة لدى معلمي اللغة الصينية قبل الخدمة عند السعي إلى تنمية انخراطهم الوكيل وتحفيزه، فبرامج الإعداد التي تمنح المتدربين مساحة من الاستقلالية في خيارات التعلم، وتتيح لهم خبرات نجاح متدرجة تبني كفاءتهم، وتشجع التفاعل والارتباط داخل مجتمع التعلم، تكون أقدر على تحويل المتدرب من متلقٍ صامت إلى مشارك مبادر يؤثر في تعلمه، وتحمل النتائج مضامين عملية للبحث والتدريس على مستوى التعليم العالي، إذ يمكن توظيفها في تصميم مقررات إعداد المعلمين وأنشطتها، وفي بناء بيئات تدريب تراعي الدوافع الداخلية للمتدربين، كما تفتح الباب أمام بحوث لاحقة تختبر هذه العلاقات في سياقات ثقافية وبرامج إعداد أخرى، وتفحص أثر التدخلات المصممة لدعم الاستقلالية والكفاءة والارتباط في مسارات الانخراط المهني الطويلة للمعلمين
وخلاصة القول إن انخراط معلمي اللغة الصينية قبل الخدمة انخراطًا وكيلًا في برامج إعدادهم يتشكل عبر مسارين متكاملين، مسار مباشر ينبع من إشباع حاجاتهم النفسية الأساسية إلى الاستقلالية والكفاءة والارتباط، ومسار غير مباشر يمر بثقتهم بقدراتهم على النجاح في مقرراتهم، وهو ما يجعل دعم هذه الحاجات وبناء الكفاءة الذاتية مدخلًا عمليًا لإعداد معلمين مبادرين أكثر استعدادًا لمهنة تعليم اللغة الصينية








