يحتل التنمر المدرسي موقعًا متناميًا في اهتمامات الرأي العام والمؤسسات التربوية حول العالم، لما يتركه من آثار سلبية خطيرة في نمو المراهقين وصحتهم النفسية وفي النظام التعليمي والمجتمع بأسره، ومع تحول محركات البحث إلى البوابة الأولى للحصول على المعلومات أصبحت بيانات البحث نفسها مرآة تعكس حجم اهتمام الجمهور بقضية ما وتطوراته عبر الزمن وتوزعه الجغرافي، وفي هذا الإطار تستند هذه الدراسة إلى مؤشر بايدو، وهو أداة تحليل بيانات طورها محرك البحث الصيني بايدو المشابهة في منطقها لأداة اتجاهات غوغل، لتحليل الاهتمام العام بظاهرة التنمر المدرسي في الصين عبر عقد كامل، والكشف عن أنماط هذا الاهتمام وخصائص الجمهور الذي يبحث عنها، كما أن دراسة الاهتمام العام عبر بيانات البحث تقدم صورة مختلفة عن الدراسات المسحية التقليدية، لأنها ترصد السلوك الفعلي للمستخدمين في البحث عن المعلومات لا إجاباتهم المصرح بها عن أنفسهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تتبع درجة اهتمام الجمهور بموضوع التنمر المدرسي واتجاهات تغيره وتوزعه الجغرافي باستخدام أداة مؤشر بايدو التحليلية، وقد استخرج الباحثون بيانات اهتمام الجمهور بالكلمة المفتاحية «التنمر المدرسي» خلال المدة من يونيو 2014 إلى يونيو 2024، ثم حللوا خصائص هذا الاهتمام من ثلاثة جوانب متكاملة، هي دراسة الاتجاه الزمني لحجم البحث، وخريطة الطلب التي تكشف الكلمات والموضوعات المرتبطة بالبحث، وصورة الجمهور التي تبين الفئات والمناطق الأكثر بحثًا، بما يتيح فهمًا شاملًا لكيفية تفاعل مستخدمي الإنترنت مع قضية التنمر المدرسي عبر الزمن والأمكنة والفئات الاجتماعية، ويمثل مؤشر بايدو في هذا الصدد أداة رصد رقمي توفر عرض ترددات ظهور الكلمات أو الموضوعات وإحصاءاتها ذات الصلة في مدد زمنية مختلفة، بما يشبه في منطقه ما توفره أداة اتجاهات غوغل، وهو ما جعله منصة مهمة لتحليل البيانات في البيئة الرقمية الصينية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج تحليل الاتجاه أن ظاهرة التنمر المدرسي حظيت باهتمام كبير خلال السنوات العشر الماضية، وأن حجم البحث عنها يبلغ ذروته كلما وقعت حادثة تنمر مدرسي محددة تلفت انتباه الجمهور، وبينت النتائج أن اتجاه البحث عبر الهواتف المحمولة وحواسيب المكتب واحد من حيث المنحنى العام، غير أن حجم البحث عبر الهواتف المحمولة أصبح منذ عام 2016 أعلى بفارق واضح من حجم البحث عبر الحواسيب، أما خريطة الطلب فقد كشفت أن الكلمات المرتبطة بالبحث عن التنمر المدرسي تشمل «التنمر» و«العنف المدرسي» وغيرها من المفردات القريبة، وعلى صعيد صورة الجمهور تبين أن شرق الصين، ولا سيما مقاطعات غوانغدونغ وجيانغسو وشاندونغ، ومدن بكين وشنغهاي وتشنغدو، تبدي اهتمامًا أعلى بالموضوع، وأن النساء في الفئة العمرية من 30 إلى 49 عامًا هن صاحبات أعلى حجم بحث عن التنمر المدرسي، ويشير هذا التوزع إلى أن الاهتمام بالتنمر المدرسي ليس ظاهرة ظرفية عابرة، بقدر ما هو قلق اجتماعي مستقر يتجدد ويتصاعد مع الأحداث المثيرة التي تتناقلها وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة أن اتجاه البحث عن التنمر المدرسي الذي يوفره مؤشر بايدو يقدم مرجعًا مهمًا يعكس النقاط الساخنة لدى مستخدمي الإنترنت ويساعد على فهم مشكلة التنمر المدرسي فهمًا أعمق، وهو ما يمكن أن يوظفه صانعو القرار التربوي والاجتماعي في رصد موجات الاهتمام العام وتوقيت حملات التوعية وتوجيهها إلى المناطق والفئات الأكثر اهتمامًا أو احتياجًا، كما تبرز النتائج قيمة بيانات محركات البحث مصدرًا مكملًا للدراسات المسحية التقليدية في دراسة الظواهر الاجتماعية العابرة للمناطق والثقافات، وتشجع الدراسة قطاعات المجتمع كافة على تضافر جهودها لبناء بيئة مدرسية أكثر أمانًا وانسجامًا تحمي المراهقين من مخاطر التنمر وآثاره، كما يمكن للمؤسسات التعليمية أن تستثمر موجات الاهتمام المتصاعدة في إطلاق برامج وقاية وتدخل مبكر، وأن توجه رسائل التوعية إلى الأمهات والمعلمات بوصفهن الفئة الأكثر بحثًا واهتمامًا بالموضوع
وخلاصة القول إن هذه الدراسة ترسم عبر عقد كامل من بيانات مؤشر بايدو صورة واضحة لاهتمام عام واسع ومتصاعد بظاهرة التنمر المدرسي في الصين، يشتد مع وقوع الحوادث البارزة، ويتركز في مناطق بعينها ولدى النساء في منتصف العمر بصورة خاصة، وأن تحليل بيانات البحث الرقمي يفتح نافذة عملية أمام الباحثين وصانعي السياسات لفهم الظواهر الاجتماعية ورصدها في حينها، ويدعم الجهود المشتركة الرامية إلى بيئات مدرسية آمنة تحفظ للمراهقين نموهم السليم، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات تربط بيانات الاهتمام الرقمي بمؤشرات الوقائع الفعلية للتنمر في المدارس
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








