تتناول هذه الدراسة العلاقة بين هيكل الملكية الأجنبية والمحلية في المصارف وميلها إلى تحمل المخاطر، من خلال فحص مصارف دول مجلس التعاون الخليجي عبر فترة ممتدة شهدت تحولات اقتصادية كبرى واختتمت بجائحة عالمية هزت القطاع المصرفي بأسره، وتنبع أهمية الدراسة من الدور المتنامي للمصارف الأجنبية في الأنظمة المصرفية الخليجية ومن الحاجة إلى فهم ما إذا كانت طبيعة الملكية تصنع فرقًا في السلوك الائتماني وكفاءة التشغيل واستقرار القطاع كله، وهو ما يفيد صانعي السياسات المالية والمشرفين على القطاع المصرفي في تقييم آثار فتح الأسواق أمام الملكية الأجنبية وتحديد ضوابطه، كما يفيد إدارات المصارف المحلية في استلهام ممارسات إدارة المخاطر التي تميز نظيراتها الأجنبية وتطوير أطر رقابتها الداخلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل العلاقة بين هيكل الملكية بنوعيها الأجنبي والمحلي وتحمل المصارف للمخاطر خلال الفترة من عام 2014 إلى عام 2022، وشمل التحليل 66 مصرفًا عاملًا في دول مجلس التعاون الخليجي، منها 44 مصرفًا مملوكًا محليًا و22 مصرفًا مملوكًا أجنبيًا، وفحصت الدراسة هذه العلاقة عبر فترتين متميزتين هما فترة ما قبل الجائحة وفترة جائحة كورونا، مستخدمة طريقة المربعات الصغرى ذات المرحلتين وتقنيات بيانات اللوحات لضمان متانة التحليل ودقته، بما يراعي اختلاف الظروف الاقتصادية بين الفترتين وأثر الأزمة الصحية العالمية في سلوك المصارف الائتماني والتشغيلي، ويتيح مقارنة سلوك تحمل المخاطر بين نوعي الملكية في أوقات الاستقرار وأوقات الأزمات على حد سواء ضمن بيئة مصرفية خليجية متجانسة نسبيًا في أطرها التنظيمية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المصارف المملوكة أجنبيًا أبدت في كلتا الفترتين مخاطر ائتمانية أدنى وكفاءة تكلفة أعلى وتحملًا أقل للمخاطر مقارنة بنظيراتها المحلية، أما المصارف المحلية فقد حافظت على ربحيتها لكنها اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على قدرة رأس المال على الامتصاص، وهو ما أدى إلى ارتفاع مخاطرها الائتمانية وقصور كفاءتها التشغيلية، وترجع أوجه القصور هذه لدى المصارف المحلية إلى ضعف مراقبة معلومات المقترضين ووقوع مشكلة المخاطرة الأخلاقية في علاقات الإقراض، وفي المقابل أدت المصارف الأجنبية دورًا حاسمًا في دعم استقرار القطاع المصرفي، إذ أسهم وجودها في تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدول المضيفة، بما يؤكد أن الحضور المصرفي الأجنبي ليس منافسًا فحسب بل عامل استقرار ونمو للاقتصادات الخليجية في الفترتين الاعتيادية والاستثنائية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتسق نتائج الدراسة مع فرضية الميزة العالمية التي ترى أن المصارف الأجنبية تحمل إلى الأسواق المضيفة ممارسات إدارية ورقابية متقدمة تنعكس في صورة كفاءة أعلى واستقرار أرسخ، وتنطوي النتائج على دلالات للمشرفين وصانعي السياسات في دول الخليج، إذ تشجع على الاستفادة من الحضور الأجنبي في رفع معايير إدارة المخاطر والرقابة على الائتمان داخل المصارف المحلية، وعلى معالجة مواطن الضعف في مراقبة معلومات المقترضين والحد من المخاطرة الأخلاقية، بما يعزز متانة القطاع المصرفي كله دون التخلي عن تنافسيته وربحيته، كما تفيد المستثمرين والمحللين الماليين في تفسير فروق الأداء والمخاطر بين المصارف بحسب هيكل ملكيتها عند بناء قراراتهم الاستثمارية وتقييمهم لمتانة المراكز المالية للمصارف الخليجية
ويعزز مصداقية هذه النتائج أنها ثبتت عبر فترتين مختلفتين جوهريًا، هما فترة ما قبل الجائحة وفترة الجائحة نفسها، إذ لم يتغير التفوق النسبي للمصارف الأجنبية في انخفاض المخاطر الائتمانية وكفاءة التكلفة بتغير الظروف، وهو ما يشير إلى أن الفروق تعود إلى خصائص بنيوية في ممارسات الملكية الأجنبية وإدارتها للمخاطر لا إلى ظروف عابرة، وفي المقابل فإن اعتماد المصارف المحلية على قدرة رأس المال على امتصاص الصدمات مع بقاء ربحيتها يفسر قدرتها على الاستمرار رغم ارتفاع مخاطرها، غير أنه اعتماد مكلف يحد من كفاءتها التشغيلية على المدى الطويل، ومن هنا تنبع توصية ضمنية بتعزيز أنظمة مراقبة المقترضين وتقييم الجدارة الائتمانية في المصارف المحلية وتطوير حوكمة المخاطر فيها اقتداء بالممارسات العالمية المتقدمة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبين أن هيكل الملكية عامل مؤثر في سلوك المصارف الخليجية تجاه المخاطر عبر الظروف الاعتيادية والأزمات على حد سواء، فالمصارف الأجنبية أكثر تحفظًا وكفاءة وأقل مخاطرة، والمصارف المحلية أكثر ربحية لكنها أعلى مخاطرة ائتمانية، وهو ما يجعل الدراسة مرجعًا مهمًا للباحثين في التمويل المصرفي ولمتخذي القرار في القطاع المالي بدول مجلس التعاون الخليجي عند رسم سياسات التملك الأجنبي والإشراف المصرفي








