تتناول هذه الدراسة أثر ممارسات إدارة سلسلة الإمداد في الأداء التنظيمي وأداء الاستدامة البيئية لدى شركات التصنيع المصدّرة، في وقت يبرز فيه التركيز المتزايد على الأداء المستدام وضرورة المرونة والابتكار في مواجهة الشواغل البيئية والاقتصادية داخل عمليات سلسلة الإمداد، وقد اختير قطاع الملابس والمنسوجات والجلود في الأردن ميدانًا للدراسة بوصفه قطاعًا تصديريًا محوريًا مهمًا لاقتصاد البلاد، كما تنفرد الدراسة بتناولها دينامية سلسلة الإمداد متغيرًا معدِّلًا للعلاقات بين الممارسات والأداء، وهو ما يملأ فجوة في أدبيات هذا القطاع بالاقتصادات النامية ويقدم رؤية أعمق لكيفية تكييف الممارسات الإدارية مع بيئة إمداد متقلبة سريعة التغير، ويمنح المديرين أساسًا علميًا لاختيار الممارسات الأنسب لأهدافهم التشغيلية والبيئية في آن واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تأثير ست ممارسات لإدارة سلسلة الإمداد في الأداء التنظيمي وأداء الاستدامة البيئية، وإلى اختبار الدور المعدِّل لدينامية سلسلة الإمداد في هذه العلاقات، واعتمدت منهجًا كميًا، إذ جُمعت البيانات من 204 مديرين في شركات متوسطة وكبيرة عاملة في قطاع الملابس والمنسوجات والجلود الأردني من خلال استبانة إلكترونية ذاتية الإدارة، واختُبرت فروض الدراسة باستخدام نمذجة المعادلات البنائية عبر برنامج سمارت بي إل إس في إصداره الرابع، بما أتاح فحص العلاقات المباشرة بين الممارسات الست والأداء بشقيه وآثار التعديل التي تمارسها دينامية سلسلة الإمداد في نموذج واحد متكامل، والتوصل إلى نتائج قابلة للمقارنة مع دراسات القطاعات التصديرية الأخرى في الاقتصادات الناشئة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أداء الاستدامة البيئية تأثر بدرجة دالة إحصائيًا بممارستين هما الشراكة الاستراتيجية مع الموردين والتأجيل، في حين كان لمستوى تبادل المعلومات والممارسات الداخلية الرشيقة أثر مزدوج في الأداء التنظيمي وأداء الاستدامة البيئية معًا، أما دينامية سلسلة الإمداد فقد أدت دورًا معدِّلًا دالًا في العلاقة بين التأجيل وكل من الأداء التنظيمي وأداء الاستدامة البيئية فقط، دون سائر العلاقات المفحوصة، وتشير هذه النتائج إلى أن أثر ممارسات سلسلة الإمداد ليس متجانسًا، بل يختلف باختلاف الممارسة ونوع الأداء المستهدف، وأن دينامية سلسلة الإمداد وتقلبها شرطان ينبغي مراعاتهما عند تفسير فعالية الممارسات والحكم على جدواها، فالممارسة الواحدة قد تنجح في بيئة مستقرة وتتراجع فاعليتها في بيئة سريعة التبدل ما لم تُدعم بمرونة تنظيمية موازية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة دلالات عملية مهمة للممارسين في شركات التصنيع المصدّرة، إذ تساعدهم على تطوير ممارسات مخصصة لإدارة سلسلة الإمداد تلائم أهداف الأداء المستدام والتشغيلي في سياق سلسلة إمداد دينامية، كما تسهم في إثراء الأدبيات الحالية بفحصها هذه العلاقات في قطاع حيوي لاقتصاد نامٍ لم يحظ باهتمام بحثي كافٍ من قبل، وتوصي الدراسة الباحثين المقبلين باعتماد أساليب العينات الاحتمالية لتحسين قابلية تعميم النتائج على مجتمع الشركات المصدّرة، وبإجراء دراسات مماثلة في قطاعات تصديرية أو مناطق جغرافية أخرى للحصول على رؤى إضافية حول العلاقات بين ممارسات إدارة سلسلة الإمداد والأداء التنظيمي وأداء الاستدامة البيئية والتحقق من ثبات النتائج واستقرارها عبر السياقات المختلفة
وتبرز أصالة هذه الدراسة في كونها من الدراسات القليلة التي تفحص ممارسات إدارة سلسلة الإمداد الست مجتمعة في علاقتها بنوعين من الأداء في نموذج واحد داخل قطاع الملابس والمنسوجات والجلود الأردني، وفي إدخالها دينامية سلسلة الإمداد متغيرًا معدِّلًا بدل الاكتفاء بالعلاقات المباشرة، وهو ما يلائم طبيعة قطاع تصديري يعمل في بيئة تنافسية متقلبة تتغير فيها طلبات العملاء وشروط التوريد باستمرار، كما أن اقتصار أثر التعديل الدال على علاقة التأجيل بالأداء يشير إلى أن مرونة توقيت الإنتاج والتصنيع تستجيب بدرجة أكبر من غيرها لتقلبات بيئة الإمداد، فحين تتسارع التغيرات يصبح التأجيل أداة أكثر حساسية للسياق، وهو ما يستدعي من المديرين إعادة تقييم ممارساتهم دوريًا وعدم افتراض ثبات جدواها عبر الظروف المختلفة والمراحل المتعاقبة من عمل سلسلة الإمداد والتصدير
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبين أن بناء سلاسل إمداد مستدامة وفعالة في الشركات المصدّرة يتطلب اختيار الممارسات بعناية وفق الأهداف المرجوة وفهم دينامية البيئة المحيطة، فالشراكة الاستراتيجية مع الموردين والتأجيل يعززان الاستدامة البيئية، وتبادل المعلومات والممارسات الرشيقة يعززان الأداء بشقيه التنظيمي والبيئي، وهو ما يجعل الدراسة مرجعًا مفيدًا للمديرين والباحثين في إدارة سلسلة الإمداد بالاقتصادات النامية والساعين إلى المواءمة بين التنافسية والاستدامة








