يواجه العالم معضلة تنسيق مزدوجة في مساري تطوره الرقمي وتحوله منخفض الكربون، إذ تتشابك سياسات الرقمنة وسياسات خفض الكربون تشابكا متزايدا بينما تظل أدوات تقييم السياسات التقليدية منصبة على فئة واحدة من السياسات دون النظر إلى درجة التنسيق بين الفئات المختلفة، وهو ما يخفي مشكلات في بنية السياسات وتنسيقها قد تضعف الأثر التضاعفي المرجو من تفاعلها، وتسعى هذه الدراسة إلى تجاوز هذا القصور ببناء منهج تقييم تعاوني للسياسات يجمع بين تنقيب النصوص والأساليب الدلالية، وتطبيقه على سياسات الرقمنة والسياسات منخفضة الكربون في الصين، لاستكشاف درجات التنسيق الداخلي والخارجي بينها من منظور التطور الدينامي، واستخلاص دروس تصلح لتحسين جودة صنع السياسات في الاقتصاد الرقمي منخفض الكربون
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف درجات التنسيق الداخلي والخارجي لسياسات الرقمنة والسياسات منخفضة الكربون في الصين، واعتمدت أساليب التنقيب في النصوص والأنطولوجيا الدلالية لبناء قاموس لتنقيب السياسات وإتمام الإسناد الآلي لنموذج مؤشر اتساق نمذجة السياسات، ودمجت هذا النموذج مع تحليل الارتباط الرمادي لبناء منهج محسن للتقييم التعاوني للسياسات، وقيمت الدراسة 34 سياسة للرقمنة و43 سياسة منخفضة الكربون صدرت في الصين خلال الفترة من عام 2006 إلى عام 2023، وفحصت تنسيقها الداخلي من حيث جهات الإصدار وأنواع السياسات ومنظوراتها، وتنسيقها الخارجي من حيث تقارب التقييمات والمؤسسات والمنظورات ومحاور التركيز بين مجموعتي السياسات عبر الزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن التصميم العام لسياسات الرقمنة والسياسات منخفضة الكربون في الصين معقول، وأن درجات تقييم السياسات آخذة في الارتفاع عبر الزمن، غير أن التنسيق الداخلي يعاني مشكلات، منها وحدة جهات صنع السياسات ووحدة أنواع السياسات وقصور المنظورات التي تنطلق منها، أما التآزر الخارجي فأظهر فروقا دالة في تآزر تقييمات السياسات ومؤسساتها ومنظوراتها ومحاور تركيزها بين المجالين، أي إن السياسات الرقمية والمناخية تتطور كل في مسارها دون التقاء كاف في الأهداف والأدوات، وهو ما يحد من الأثر التضاعفي المحتمل بين التحول الرقمي والتحول منخفض الكربون رغم ما بينهما من تكامل موضوعي واسع
وتدل هذه النتائج على أن جودة السياسة المفردة لا تكفي وحدها لتحقيق التنمية عالية الجودة، فحين تصدر السياسات من جهات محدودة وتتخذ أشكالا متشابهة وتفتقر إلى تنوع المنظورات يضعف التنسيق الداخلي، وحين تنمو مسارات سياسية متكاملة نظريا في عزلة نسبية يضيع أثر التضاعف، وهو أثر يمكن أن يكون كبيرا لأن التقنيات الرقمية قادرة على خفض الانبعاثات ورفع كفاءة الطاقة عبر قطاعات الاقتصاد كلها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة صناع السياسات بإيلاء مزيد من الاهتمام للتعاون عبر القطاعات وتحسين تقاطع السياسات من حيث التوجهات والأنواع والتوقيت، بما يفتح قنوات تنسيق مبكر بين جهات الرقمنة وجهات المناخ والطاقة، وتتمتع الدراسة بأهمية نظرية في تطوير منهج التقييم القائم على الجمع بين تنقيب بيانات نصوص السياسات ومعرفة السياسات، وتحسين تحليل درجات التعاون بين فئات السياسات المختلفة، كما تتمتع بقيمة عملية في تحسين سياسات التنمية عالية الجودة للاقتصاد الرقمي ومنخفض الكربون، إذ تقدم للحكومات أداة قابلة للتطبيق لرصد التنسيق بين حزم سياساتها المتقاطعة وتصحيح مسارها قبل أن تتسع الفجوات
ويعزز منهج الدراسة ثقة القارئ بهذه النتائج، فقد تجاوزت حدود التقييمات التقليدية المنصبة على فئة واحدة من السياسات حين بنت قاموس تنقيب سياسات بأدوات التنقيب النصي والأنطولوجيا الدلالية يتيح الإسناد الآلي الموحد لدرجات نموذج مؤشر اتساق نمذجة السياسات، ثم قرنت النموذج بتحليل الارتباط الرمادي لتتبع درجات التآزر عبر الزمن من منظور التطور الدينامي، وبذلك أمكن فحص سبع وسبعين سياسة صدرت عبر ثمانية عشر عاما بمعايير واحدة قابلة للمقارنة، واتضح أن ارتفاع درجات التقييم بمرور السنوات يعكس نضجا تراكميا في صياغة السياسات الصينية في المجالين، لكنه لا يلغي الفجوة البنيوية بينهما، فلا تزال جهات الإصدار محدودة التنوع وأنواع السياسات أحادية النمط ومنظوراتها ضيقة، ولا تزال الفروق الخارجية في التقييم والمؤسسات والمنظورات ومحاور التركيز واسعة بما يضعف ترجمة التكامل الموضوعي بين الرقمنة وخفض الكربون إلى تكامل سياساتي فعلي
وخلاصة القول إن بين سياسات الرقمنة والسياسات منخفضة الكربون في الصين أثرا تضاعفيا كامنا لم يتحقق كاملا بسبب قصور التنسيق الداخلي وفروق التآزر الخارجي، ومعالجته تتطلب تعاونا عابرا للقطاعات وتقاطعا أعمق بين السياسات في توجهاتها وأنواعها وتوقيتها








