شهدت أدوار الجامعات ورسائلها تطورا ملحوظا خلال العقود القليلة الماضية، إذ تجاوزت رسائلها التقليدية في التدريس والبحث والنشر إلى الانخراط المباشر في حل مشكلات المجتمع اليومية والإسهام في التنمية الاقتصادية، وقد أسهمت المطالب المتزايدة لاقتصاد المعرفة والعولمة بدور كبير في هذا التحول، غير أن الرسالة الثالثة للجامعات، المتمثلة في خدمة المجتمع ونقل المعرفة إليه، ما تزال مهملة في جامعات كثيرة مقارنة بالتدريس والبحث والنشر، وهو ما يثير تساؤلات حول العوائق المؤسسية التي تحول دون تفعيلها، وتتناول هذه الدراسة هذه العوائق في سياق الجامعات التنزانية، مستكشفة العوامل التي تجعل الرسالة الثالثة أقل أولوية في الممارسة الفعلية رغم الإقرار الواسع بأهميتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العوائق المؤسسية التي تعوق التنفيذ الفعال للرسالة الثالثة للجامعات في تنزانيا، واعتمدت المقاربة النوعية الملائمة لاستكشاف الظواهر المؤسسية وفهمها في عمقها، وأجرى الباحثون مقابلات شبه منظمة ومقابلات مع مخبرين رئيسيين من أعضاء هيئة التدريس والموظفين الإداريين في ثلاث جامعات، واستمعوا إلى تصوراتهم حول مكانة الرسالة الثالثة في جامعاتهم والعوامل التي تحد من تنفيذها، وحللوا البيانات لاستخلاص العوائق المتكررة وتصنيفها، بما أتاح بناء صورة شاملة عن الفجوة بين الإقرار النظري بأهمية الرسالة الثالثة وضعف حضورها في الأولويات المؤسسية الفعلية
ثانيًا: أبرز النتائج
أجمع المبحوثون على أن الرسالة الثالثة للجامعة حاسمة في بناء تآزر راسخ بين الجامعة والمجتمع وتعزيز التنمية المحلية والإقليمية، غير أن تنفيذها يظل أقل أولوية في جامعات كثيرة من الرسائل التقليدية، وكشفت الدراسة عن ستة عوائق مؤسسية رئيسة، أولها قصور الموارد المالية اللازمة لتمويل أنشطة خدمة المجتمع، وثانيها الأعباء الزائدة الملقاة على عاتق الأكاديميين بين التدريس والبحث والمهام الإدارية، وثالثها غياب سياسات ولوائح مؤسسية شاملة تنظم الرسالة الثالثة وتدعمها، ورابعها ضعف الصلة بين البحث العلمي والرسالة الثالثة بحيث لا تتحول مخرجات البحوث إلى خدمات مجتمعية، وخامسها العوائق المتصلة بأنظمة الحوافز والمكافآت على أفضل الممارسات، وسادسها عوائق بناء القدرات اللازمة للتنفيذ الفعال لهذه الرسالة
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن إهمال الرسالة الثالثة ليس راجعا إلى غياب القناعة بأهميتها، بل إلى منظومة متكاملة من القيود المالية والتنظيمية والتحفيزية والمعرفية التي تثبط الأكاديميين والمؤسسات عن الاستثمار فيها، فحين لا تُحتسب أنشطة خدمة المجتمع في أنظمة التقييم والمكافأة، وحين لا تتوفر الموارد والسياسات الواضحة، يصبح الانصراف عنها خيارا مفهوما حتى لدى المقتنعين بقيمتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن الرسالة الثالثة للجامعة ضرورة حتمية في عالم اليوم التنافسي، إذ تساعد الجامعات وأعضاء هيئة التدريس على بناء صورتهم وسمعتهم أمام المجتمع وترسيخ تآزر قوي بين الجامعة ومحيطها الاجتماعي والاقتصادي، وتدعو إدارات الجامعات وصناع السياسات إلى معالجة العوائق الستة معالجة متكاملة، عبر توفير موارد مالية مخصصة، وتخفيف أعباء الأكاديميين أو إعادة توزيعها، وسن سياسات ولوائح واضحة، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، وإصلاح أنظمة الحوافز لتكافئ الممارسات المتميزة في خدمة المجتمع، وبناء قدرات العاملين على تصميم أنشطة الرسالة الثالثة وتنفيذها وتقييمها
ويفسر هذا التفاوت بين القناعة والممارسة بتشابك العوائق الستة في حلقة متصلة، فشح الموارد المالية يجعل أنشطة خدمة المجتمع أول ما يستغنى عنه عند ضغط الميزانيات، وأعباء الأكاديميين المتراكمة بين التدريس والبحث والإدارة لا تترك وقتا لأنشطة إضافية لا تحتسب في التقييم، وغياب السياسات واللوائح الشاملة يترك الرسالة الثالثة بلا إطار ملزم أو موجه، وضعف الصلة بين البحث والمجتمع يحرم الأنشطة من محتواها العلمي، وغياب الحوافز والمكافآت يرسل إشارة مؤسسية بأن هذا الجهد غير مقدر، وقصور بناء القدرات يترك الراغبين فيه دون مهارات التصميم والتنفيذ والتقييم، ولهذا لا يكفي علاج عائق واحد منفردا بل يلزم إصلاح منظومي متزامن يعيد للرسالة الثالثة مكانتها في التخطيط والتمويل والتقويم الجامعي، وتؤكد شهادات المبحوثين من الجامعات الثلاث أن المشكلة بنيوية مشتركة لا خصوصية لجامعة بعينها، مما يجعل الحلول المقترحة قابلة للنقل إلى سياقات جامعية مشابهة في بلدان نامية أخرى تواجه التحدي ذاته
وخلاصة القول إن تفعيل الرسالة الثالثة للجامعات في تنزانيا وغيرها يتطلب الانتقال من الإقرار اللفظي بأهميتها إلى إصلاحات مؤسسية ملموسة تعالج التمويل والأعباء والسياسات والحوافز والقدرات معا، بما يمكن الجامعة من أداء دورها شريكا فاعلا في تنمية مجتمعها








