أثرت جائحة كورونا في المجتمع العالمي تأثيرًا واسعًا شمل الصحة العامة والاقتصادات والبيئة، وامتد أثرها إلى المرافئ البحرية التي تمثل شرايين حيوية للتجارة والنقل، وتتناول هذه الدراسة الأثر البيئي للجائحة في ميناء الإسكندرية، وهو مركز بحري رئيس في مصر، من خلال تحليل بيانات نظام التعرف الآلي على السفن في منطقة الميناء وصور الأقمار الصناعية متعددة الأزمنة من القمر الصناعي سينتينل بريكورسر الخامس، لتتبع التغيرات في أنشطة الشحن وانبعاثات التلوث خلال الفترة من عام ألفين وثمانية عشر إلى عام ألفين واثنين وعشرين، بما يشمل سنوات ما قبل الجائحة وسنة الإغلاق وسنوات التعافي اللاحقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم أثر إجراءات كورونا الوقائية في جودة الهواء في محيط ميناء الإسكندرية، باستخدام بيانات الأقمار الصناعية التي يوفرها محرك المعالجة الجغرافية المكانية التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، وركزت الدراسة على عدة مؤشرات لجودة الهواء شملت أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت والأوزون وخصائص الهباء الجوي مثل العمق البصري للهباء الجوي ومؤشر الهباء الجوي الممتص، وقارنت الدراسة مستويات هذه المؤشرات قبل الإغلاق وأثناءه وبعد استئناف العمليات البحرية بكامل طاقتها، لتكوين صورة زمنية متكاملة عن أثر توقف الأنشطة ثم عودتها في هواء منطقة الميناء
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن انخفاضات متفاوتة الدرجات في ملوثات الهواء خلال إغلاق جائحة كورونا، إذ أظهر كل ملوث تغيرًا مميزًا في مستوياته، وبلغ مؤشر الهباء الجوي الممتص والعمق البصري للهباء الجوي أدنى متوسطاتهما في عام ألفين وعشرين، مسجلين سالب 1.2 و214 مول لكل متر مربع على التوالي، وهو انخفاض كبير، كما هبطت تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت إلى أدنى متوسطاتها البالغة 0.000048 و0.000125 مول لكل متر مربع خلال فترة الإغلاق، بما يعكس انخفاضًا يقارب ثلاثين في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الإغلاق في عامي ألفين وثمانية عشر وألفين وتسعة عشر
وأظهرت النتائج كذلك انخفاضات ملحوظة في مستويات أول أكسيد الكربون والأوزون، إذ انخفض أول أكسيد الكربون إلى 0.015 مول لكل متر مربع والأوزون إلى 0.125 مول لكل متر مربع، بما يمثل انخفاضين يقاربان عشرة في المئة وخمسة عشر في المئة على التوالي مقارنة بمستويات عام ألفين وتسعة عشر، غير أنه بعد استئناف العمليات البحرية في ميناء الإسكندرية بكامل طاقتها عادت مستويات التلوث إلى قيم ما قبل الإغلاق، مما يدل على أن الفوائد البيئية للإغلاق كانت قصيرة الأمد ومرهونة باستمرار انخفاض الأنشطة
وتعكس هذه الانخفاضات المتزامنة عبر مؤشرات متعددة أثر التباطؤ الكبير الذي أصاب أنشطة الشحن والملاحة خلال فترة الإغلاق، إذ تراجعت حركة السفن والعمليات المرتبطة بها في الميناء وما حوله، فانخفضت الانبعاثات الصادرة عنها انخفاضًا انعكس بوضوح في قراءات الأقمار الصناعية لمختلف الملوثات الغازية والهباء الجوي في أجواء منطقة الميناء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن إغلاق جائحة كورونا أحدث أثرًا إيجابيًا قصير الأمد في جودة الهواء، وبخاصة في خفض الملوثات الضارة مثل ثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت والهباء الجوي، غير أن هذه التحسينات كانت عابرة، إذ ارتدت مستويات التلوث إلى مستويات ما قبل الإغلاق بمجرد استئناف الأنشطة البحرية، وهو ما يبرز أهمية الرصد المستمر وإنفاذ اللوائح البيئية لضمان تحسينات طويلة الأمد في جودة الهواء، وضرورة تنفيذ استراتيجيات فعالة لإدارة التلوث تحافظ على المكاسب البيئية التي لوحظت خلال إغلاق الجائحة وتحولها من مكاسب ظرفية إلى تحسن مستدام في بيئة المرافئ وما حولها
وتقدم منهجية الدراسة نموذجًا لرصد جودة الهواء حول المرافئ بالاعتماد على بيانات الأقمار الصناعية وبيانات حركة السفن، وهو رصد يتيح متابعة زمنية ومكانية واسعة يصعب تحقيقها بمحطات القياس الأرضية وحدها، بما يدعم قدرة الجهات المختصة على تقييم أثر الأنشطة البحرية في البيئة واتخاذ قرارات مبنية على أدلة حديثة ومتجددة وموثقة عبر الزمن
وخلاصة القول إن تجربة إغلاق الجائحة قدمت دليلًا عمليًا على أن خفض الأنشطة البحرية ينعكس سريعًا في تحسين جودة الهواء حول المرافئ، غير أن استدامة هذا التحسن تتطلب سياسات بيئية دائمة وإنفاذًا صارمًا للوائح ورصدًا متواصلًا بالتقنيات الحديثة، لا إجراءات استثنائية مؤقتة تفرضها الأزمات








