يشهد العالم العربي ارتفاعًا في درجات الحرارة يقترب من ضعف المتوسط العالمي، مما يفرض تحديات كبيرة على قابلية العيش البشري وتوفر المياه والأمن الغذائي في المنطقة، ويتزامن ذلك مع معدلات تضخم مرتفعة وكثافة سكانية متزايدة وعدم استقرار سياسي، وكلها عوامل تضغط على تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة وتهدد مكتسباتها، ومن هذا المنطلق تتناول هذه الدراسة آثار التغيرات في درجات الحرارة وهطول الأمطار عبر العالم العربي في ظل سيناريوهات احترار مستقبلية متفاوتة، وما يترتب عليها من تحولات في الجفاف والمخاطر الماسة باستخدام الأراضي والغطاء الأرضي والكثافة السكانية وندرة المياه وانعدام الأمن الغذائي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص آثار التغير في درجات الحرارة وهطول الأمطار عبر العالم العربي في ظل ثلاثة سيناريوهات للاحترار العالمي، هي درجة ونصف الدرجة المئوية للفترة من عام ألفين وواحد وعشرين إلى عام ألفين وأربعين، ودرجتان مئويتان للفترة من عام ألفين وواحد وأربعين إلى عام ألفين وستين، وثلاث درجات مئوية للفترة من عام ألفين وواحد وستين إلى عام ألفين وثمانين، وذلك مقارنة بفترة الأساس الممتدة من عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين إلى عام ألفين وأربعة عشر، باستخدام بيانات مشروع المقارنة بين النماذج المناخية المقترنة في مرحلته السادسة، وطبقت الدراسة اختبار مان وكندال للاتجاه ومقدر ميل سين لتقييم الدلالة الإحصائية لاتجاهات الحرارة وهطول الأمطار ومقدارها عبر العالم العربي، وحسبت مؤشر الجفاف من مجموعات بيانات الهطول والتبخر النتح الكامن، وبنت إطارًا لتصنيف المخاطر يقيم آثار تغير المناخ استنادًا إلى تباينات الحرارة والهطول، ووظفت مؤشر الإجهاد المائي ومؤشر انعدام الأمن الغذائي للتنبؤ بالآثار عند مستويات الخطر المختلفة، وحددت أوزان معايير الإجهاد المائي وانعدام الأمن الغذائي ومستويات الخطر وتغيرات الكثافة السكانية بمصفوفة مقارنات زوجية، ثم قدرت المستويات المتوقعة في الدول العربية بنموذج المجموع المرجح
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى زيادة متوقعة في درجات الحرارة مع تباينات ملحوظة بين الدول العربية والفصول، وجاءت اتجاهات هطول الأمطار معقدة، إذ تزيد في مناطق وتنقص في أخرى، فمن المتوقع أن ينخفض هطول الأمطار الشتوي في دول شمال أفريقيا مثل الجزائر وتونس ومصر بنسب تتراوح بين 5.80 و28.61 في المئة وفق سيناريوهي الدرجة والنصف والثلاث درجات، بينما قد يزيد هطول الأمطار الصيفي في شبه الجزيرة العربية بنسب تتراوح بين 21.14 و133.34 في المئة، ومن المرجح أن تتسع المناطق شديدة الجفاف والجافة، بينما تتقلص المناطق شبه الجافة والجافة شبه الرطبة، وستكون الغابات المغلقة والأراضي الزراعية الأكثر تأثرًا، ولا سيما في السودان وسوريا والعراق والسعودية والأردن، مما يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات حماية وتكيف للمناطق الأكثر تعرضًا
وأشار مؤشر الإجهاد المائي إلى أن مناطق مثل العراق والمغرب وفلسطين ولبنان قد تنتقل من الإجهاد المائي المرتفع إلى الإجهاد المائي المرتفع جدًا في ظل الظروف المناخية المتطرفة، بينما تواجه جيبوتي والسودان والعراق واليمن وسوريا والصومال وليبيا وفلسطين مخاطر مرتفعة جدًا في انعدام الأمن الغذائي، مما يؤكد استمرار مواطن الهشاشة في هذه الدول وعمق تأثرها بالتغيرات المناخية المتوقعة
كما يتوقع أن تمتد آثار هذه التحولات إلى أنماط استخدام الأراضي والغطاء الأرضي والكثافة السكانية في المنطقة، بما يضاعف الضغوط على الموارد الطبيعية المحدودة أصلًا في معظم الدول العربية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج الحاجة الملحة إلى تعزيز التخطيط الوطني باستراتيجيات مناخية تكيفية شاملة عبر العالم العربي، تأخذ في الحسبان التباينات المكانية والموسمية في آثار تغير المناخ، وتراعي القطاعات والمناطق الأكثر تعرضًا كالمياه والغذاء والغطاء النباتي، كما تبرز أهمية الاستراتيجيات التكيفية لحماية الغابات المغلقة والأراضي الزراعية في الدول الأكثر تأثرًا، وضرورة الاستعداد المبكر لتحولات الإجهاد المائي وانعدام الأمن الغذائي قبل تفاقمها، بما يجعل التكيف المناخي أولوية تنموية لا تحتمل التأجيل في السياسات الوطنية العربية
وتوفر الدراسة بإطارها المتكامل لتصنيف المخاطر ومؤشراتها الكمية قاعدة معرفية يمكن أن يستند إليها صانعو القرار في ترتيب أولويات التكيف وتوزيع الموارد على القطاعات والمناطق الأكثر تعرضًا للخطر، وفي بناء أنظمة إنذار مبكر واستعداد استباقي للمخاطر المناخية المتوقعة
وخلاصة القول إن العالم العربي يقف عند مفترق طرق مناخي، إذ يهدد الاحترار المتسارع قابلية العيش وتوفر المياه والأمن الغذائي في معظم دوله، مع اختلاف حدة المخاطر من دولة إلى أخرى ومن فصل إلى آخر، وهو ما يجعل بناء استراتيجيات تكيف وطنية شاملة ومبكرة ضرورة ملحة لحماية الإنسان والموارد في المنطقة








