تتناول هذه الدراسة العلاقة بين هيكل الملكية والمخاطرة المصرفية في اقتصادات الخليج الناشئة خلال جائحة كورونا، وهي فترة اختبرت صلابة الأنظمة المصرفية في العالم أجمع، إذ تختلف دوافع الملاك العموميين عن دوافع الملاك الخواص، فقد تستهدف الملكية العامة أهدافًا تنموية واستقرارية تتجاوز الربح، بينما يغلب على الملكية الخاصة دافع تعظيم العائد ولو بمخاطرة أعلى، ومن ثم قد ينعكس هيكل الملكية على جودة الائتمان ومستوى القروض المتعثرة وسلوك البنوك إزاء الصدمات، وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في مجلس التعاون الخليجي حيث تتجاور بنوك عامة أو ذات ملكية حكومية واسعة مع بنوك خاصة في أسواق مالية نامية سريعة التغير، وحيث أظهرت الجائحة تباينًا في قدرة البنوك على امتصاص الصدمات النظامية، كما أن إرث الملكية الحكومية الواسعة في القطاع المصرفي الخليجي يجعل هذا السؤال جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل الإصلاحات المالية وتنويع الاقتصادات في المنطقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين الملكية والمخاطرة في بنوك دول مجلس التعاون الخليجي خلال جائحة كورونا، بما في ذلك آثارها غير الخطية والتفاعلية، وشملت العينة ٤٤ بنكًا تجاريًا مصنفة إلى بنوك خاصة وبنوك مملوكة ملكية عامة، ووظفت الدراسة طريقة المربعات الصغرى ذات المرحلتين لمعالجة مشكلات السببية الداخلية في العلاقة بين الملكية والمخاطرة، وأجرت فحوص متانة بتقنيات بيانات اللوحات، وركز التحليل على القروض المتعثرة مؤشرًا لمخاطر الائتمان، مع ضبط الخصائص الخاصة بكل بنك، بما يتيح عزل أثر هيكل الملكية عن أثر الحجم والربحية والسيولة وغيرها من العوامل المصرفية المؤثرة في المخاطرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الملكية العامة ترتبط بالقروض المتعثرة بعلاقة على هيئة قوس مقلوب، فالتركز العام المعتدل يزيد مخاطر الائتمان، بينما تخفض السيطرة العامة العالية هذه المخاطر خفضًا هامشيًا، أما الملكية الخاصة فقد ارتبطت بمخاطرة أعلى بعد ضبط الخصائص الخاصة بالبنوك، بما يعكس إقراضًا أكثر مخاطرة تقوده دوافع الربحية، وأظهرت النتائج كذلك أن البنوك العامة تبدي صلابة أكبر بفضل ودائعها المستقرة والدعم الضمني الذي تحظى به، بينما تكون البنوك الخاصة أكثر عرضة للصدمات النظامية، وبذلك يكون أثر هيكل الملكية في مخاطر الائتمان مشروطًا بالسياق، فهو يعكس تباين أهداف الملكية ودرجات تركزها في اقتصادات الخليج الناشئة لا قاعدة موحدة صالحة لكل مكان وزمان، وتضيف الدراسة إلى فهمنا لطبيعة المخاطرة المصرفية أن العلاقات البسيطة بين المتغيرات قلما تصمد أمام اختبارات صارمة، فما يبدو للوهلة الأولى أثرًا مباشرًا لشكل الملكية قد يخفي منحنيات وتباينات لا تظهر إلا بالنماذج غير الخطية وأساليب معالجة السببية الداخلية، وهو درس منهجي يتجاوز الحالة الخليجية إلى دراسات الحوكمة المصرفية عمومًا في الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات للجهات الرقابية المصرفية وصناع السياسات المالية في دول الخليج، إذ تدعو إلى رقابة متمايزة تراعي هيكل ملكية كل بنك ودرجة تركزها عند تقييم مخاطر الائتمان ومعايير الحوكمة، وبخاصة في أوقات الأزمات حيث تتسع الفروق بين البنوك العامة الصلبة والبنوك الخاصة الأكثر انكشافًا، كما تفيد مجالس إدارات البنوك والمستثمرين في فهم مصادر المخاطرة الكامنة في هياكل الملكية وتسعيرها ضمن قراراتهم، وتسهم الدراسة في الأدبيات المصرفية بتقديم دليل من سياق خليجي ناشئ على أن العلاقة بين الملكية والمخاطرة غير خطية ومتوقفة على السياق، وتفتح المجال لبحوث مقارنة بعد الجائحة وفي أزمات أخرى لاختبار ثبات هذه الأنماط عبر الدورات الاقتصادية المختلفة، كذلك تهم النتائج المستثمرين في الأسهم المصرفية الخليجية ومحللي التصنيف الائتماني، إذ يمكن قراءة هيكل الملكية ودرجة تركزها مؤشرًا مبكرًا على ملف المخاطر المستقبلي للبنك وسلوكه في فترات الضغط، وتساعد وكالات التقييم على معايرة افتراضات الدعم الحكومي الضمني بحسب قرب البنك من الملكية العامة وسيطرتها الفعلية على قراراته الائتمانية والاستثمارية
وخلاصة القول إن هيكل الملكية عامل مؤثر في مخاطرة بنوك الخليج زمن الجائحة، فالملكية العامة المعتدلة ترفع مخاطر الائتمان بينما تحد السيطرة العامة العالية منها قليلًا، والملكية الخاصة تميل إلى مخاطرة أعلى بدافع الربحية، بينما تتمتع البنوك العامة بصلابة تعينها على الصدمات، وهي نتائج تؤكد أن تقييم سلامة البنوك لا يكتمل دون قراءة دقيقة لهياكل ملكيتها وأهداف ملاكها








