يمثل الانتقال من مرحلة التعليم الابتدائي إلى مرحلة التعليم الثانوي الإلزامي محطة دقيقة في مسار تعلم الطلاب، إذ تتبدل فيها بيئة التعلم ومتطلباته وتزداد الأعباء المعرفية واللغوية، وتبرز هذه الصعوبة بوجه خاص في تنمية مهارات القراءة باللغة الإنجليزية بوصفها لغة ثانية، حيث يواجه كثير من الطلاب مشكلات في فهم المقروء ومتابعة الدروس، وهو ما قد يرفع مستويات الضغوط النفسية لديهم ويضعف اندماجهم في التعلم، لا سيما في السياقات الإسبانية غير ثنائية اللغة التي لا تحظى فيها اللغة الإنجليزية بحضور واسع خارج قاعة الدرس، فتتراكم آثار هذه الصعوبات على تحصيل الطلاب اللغوي وعلى دافعيتهم نحو تعلم اللغة واندماجهم في أنشطته، وقد لفتت البحوث السابقة الانتباه إلى هذه الصعوبات وإلى أثر قلق القراءة باللغة الثانية في أداء الطلاب، كما أبرزت في المقابل الإمكانات الواعدة لمنهجيات الفصل المقلوب والمنصات الرقمية مثل كانفا في دعم تعلم اللغة وتنمية مهاراتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف آثار تطبيق منهج الفصل المقلوب باستخدام منصتي كانفا ومودل في فهم القراءة باللغة الإنجليزية لدى طلاب السنة الأولى من التعليم الثانوي الإلزامي، وفي تصوراتهم عن هذا النمط من التعلم، وفي تجارب انتقالهم من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، وبذلك سعت الدراسة إلى سد فجوة قائمة في البحوث التي تناولت توظيف الفصل المقلوب والأدوات الرقمية التفاعلية في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة تحديدًا، واعتمدت الدراسة تصميمًا قائمًا على المناهج المختلطة امتد على مدى اثني عشر أسبوعًا، فقارنت بين مجموعة تجريبية ضمت عشرين طالبًا تعلمت وفق نموذج الفصل المقلوب بمنصتي كانفا ومودل، ومجموعة ضابطة ضمت عشرين طالبًا تلقت تعليمها بالطرائق التقليدية المعتادة، وقد اختيرت السنة الأولى من التعليم الثانوي الإلزامي ميدانًا للدراسة لكونها لحظة الانتقال ذاتها التي تتجلى فيها صعوبات القراءة باللغة الثانية وتحديات التكيف مع المرحلة الجديدة بأوضح صورها
وجُمعت بيانات الدراسة من مصادر متعددة شملت تقييمات كامبريدج فلايرز للمستوى الثاني قبليًا وبعديًا لقياس التقدم في فهم المقروء لدى المجموعتين، ومقابلات المجموعات المركزة مع الطلاب للوقوف على تصوراتهم وتجاربهم، ومذكرات المعلمين التي رصدت سير التجربة وملاحظاتهم الميدانية، ثم حُللت البيانات الكمية والنوعية بما يتيح المقارنة بين أداء المجموعتين وتفسير الفروق في ضوء خبرات الطلاب ومعلميهم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المجموعتين التجريبية والضابطة حققتا تحسنًا واضحًا في مهارات القراءة باللغة الإنجليزية عبر فترة الدراسة، غير أن المكاسب الكلية لم تبلغ مستوى الدلالة الإحصائية عند المقارنة بينهما، ومع ذلك أبدت المجموعة التجريبية أداءً أفضل قليلًا في القراءة الاستنتاجية التي تتطلب استخلاص المعاني غير المصرح بها في النص، كما عبر طلابها عن دافعية واندماج ورضا أعلى تجاه تجربة التعلم، وعزت الدراسة هذا التفوق النوعي إلى الخصائص البصرية والتفاعلية التي توفرها منصتا كانفا ومودل، إذ جعلتا المحتوى القرائي أكثر جاذبية ويسرتا التفاعل معه داخل القاعة وخارجها، ولم تقتصر الفروق المرصودة بين المجموعتين على الأداء القرائي وحده، بل امتدت إلى الخبرة الوجدانية للتعلم ذاتها، إذ بدا طلاب المجموعة التجريبية أكثر إقبالًا على أنشطة القراءة وأكثر رضا عن طريقة تقديمها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج الدراسة إلى أن دمج منهجيات الفصل المقلوب في الأدوات الرقمية يمكن أن يثري تنمية مهارات القراءة باللغة الثانية إثراءً ملموسًا، وأن يشجع الطلاب على التعلم المستقل وتحمل مسؤولية تعلمهم، وأن يدعم انتقالًا أسلس من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية بما يخفف من صعوبات التكيف وضغوطه، وتوصي الدراسة بالتطبيق التدريجي لمثل هذه المقاربات بدل إحلالها المفاجئ، وبمواصلة التطوير المهني للمعلمين حتى يتمكنوا من تصميم الأنشطة المقلوبة وإدارتها بكفاءة، وبقيام المؤسسات التعليمية بتوفير دعم مؤسسي راسخ يضمن نجاح إدماج التعلم المدمج واستراتيجيات تكنولوجيا المعلومات والاتصال في التدريس اليومي، فنجاح هذا الإدماج لا يتوقف على توافر الأدوات الرقمية وحدها، بل على تكاملها مع تخطيط تربوي واع ومتابعة مهنية مستمرة للمعلمين ودعم ثابت من إدارات المؤسسات
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا عمليًا على أن توظيف الفصل المقلوب بمنصات رقمية تفاعلية مثل كانفا ومودل يمثل خيارًا واعدًا لتطوير مهارات القراءة باللغة الإنجليزية لدى طلاب بداية المرحلة الثانوية، فحتى إن لم تتفوق مكاسبه الكمية تفوقًا دالًا إحصائيًا على التعليم التقليدي في هذه التجربة، فقد اقترن برفع دافعية الطلاب واندماجهم ورضاهم وتيسير انتقالهم بين المراحل، وهي مكاسب تربوية لا تقل أهمية عن الدرجات، ويبقى نجاح هذا التوظيف مرهونًا بتدرج التطبيق وتأهيل المعلمين ودعم المؤسسات، بما يجعل التعلم المدمج إضافة نوعية إلى تدريس اللغات لا بديلًا متعجلًا عن أساليبه الراسخة








