تستكشف هذه الدراسة العلاقة بين الدعم الاجتماعي المدرك والسلوك المؤيد للبيئة لدى الأفراد، وتنطلق من أن علم النفس الإيجابي والسلوك المؤيد للبيئة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا برفاه الأفراد، وأن بحوثًا سابقة درست دوافع السلوك المستدام غير أن قليلًا منها فحص أثر الدعم الاجتماعي المدرك في هذا السلوك، وتستند الدراسة إلى نظرية التبادل الاجتماعي في طرحها أن من يشعرون بأن شبكاتهم الاجتماعية تسندهم يميلون إلى رد هذا الإسناد بسلوكيات نافعة للآخرين وللبيئة المشتركة، وتتعمق الدراسة في الآلية الكامنة عبر اختبار التعاطف والامتنان وسيطين متوازيين قد يحملان أثر الدعم إلى السلوك، وهو اختبار يضيء الجانب الوجداني الخفي من نشأة الالتزام البيئي الطوعي لدى عامة الناس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين الدعم الاجتماعي المدرك والسلوك المؤيد للبيئة لدى الأفراد والآلية الكامنة وراءها، وشارك في الدراسة 605 أفراد، واختبرت العلاقات تجريبيًا باستخدام الانحدار الهرمي وأسلوب إعادة المعاينة لتقدير الآثار غير المباشرة وفواصل الثقة لها، وقيس الدعم الاجتماعي كما يدركه الفرد لا كما يقدم إليه فعليًا فحسب، وقيست الوسائط المرشحة وهي التعاطف والامتنان بوصفهما حالتين وجدانيتين قد تولدهما تجربة الدعم، كما قيس السلوك المؤيد للبيئة ناتجًا أخيرًا، بما ينتج نموذج وساطة متوازية يعرض قناتين وجدانيتين متنافستين في تفسير الصلة بين الدعم والسلوك البيئي ومقارنة وزنيهما النسبيين على أساس قياسي واحد ومقاس موحد للأثر الكلي والمباشر وغير المباشر
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الدعم الاجتماعي المدرك يرتبط إيجابيًا بالسلوك المؤيد للبيئة بمعامل انحدار قدره 0.511 وبدلالة إحصائية عالية، بما يعني أن الأفراد الذين يدركون مستوى أعلى من الدعم الاجتماعي أكثر ميلًا إلى الانخراط في السلوك المؤيد للبيئة ممن يدركون مستوى أدنى منه، وبلغت الآثار غير المباشرة للتعاطف 0.259 وللامتنان 0.185، وجاء فاصل الثقة للتعاطف بين 0.182 و0.339 ولامتنان بين 0.099 و0.272 عند مستوى 95 في المئة، وبذلك توسط التعاطف والامتنان العلاقة بين الدعم والسلوك بصورة متوازية، وكان دور التعاطف أكثر دلالة من دور الامتنان، وتشير النتائج إلى أن من يعيشون إحساسًا أكبر بالدعم الاجتماعي يظهرون درجات أعلى من التعاطف والامتنان، وهذا بدوره يعزز انخراطهم في السلوك المؤيد للبيئة في حياتهم اليومية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح النتائج بابًا لتطبيقات تتجاوز التوعية البيئية المباشرة، إذ يمكن لبرامج تعزيز السلوك المؤيد للبيئة أن تستثمر تقوية شبكات الدعم الاجتماعي وتنمية التعاطف والامتنان لدى الأفراد مداخل غير مباشرة لكنها فعالة، فالمجتمعات المتماسكة اجتماعيًا أقدر على حمل سلوكيات بيئية جماعية مستدامة، وتسهم الدراسة في أدبيات علم النفس البيئي بإثباتها أن الآثار الاجتماعية الوجدانية ليست خلفية للسلوك البيئي بل آلية مولدة له، كما تنبه مصممي الحملات البيئية إلى أن الرسائل التي تثير التعاطف مع المتضررين بيئيًا وتستدعي الامتنان للموارد قد تكون أجدى من الرسائل المعرفية المجردة، مع أهمية التعاطف بوصفه القناة الأقوى بين القناتين، وتدعم سياسات بناء رأس المال الاجتماعي بوصفها استثمارًا بيئيًا غير مباشر
وتستحق مقارنة القناتين الوسيطتين وقفة تأملية، فالتعاطف توجه وجداني نحو معاناة الآخرين والكائنات المتضررة بيئيًا يدفع إلى الإيثار والسلوك الوقائي، بينما الامتنان توجه نحو ما يتلقاه الفرد من نعم وموارد يحفز صونها ورد جميلها، وتفوق التعاطف أثرًا يعني أن الرسائل البيئية التي تضع المتلقي موضع المتضرر أكثر إقناعًا من الرسائل المعرفية المجردة، وأن برامج التربية البيئية تستطيع تنمية هاتين الحالتين عبر خبرات اجتماعية داعمة لا عبر المعلومات وحدها، كما أن كون المؤثر هو الدعم المدرك لا الدعم المستلم فعليًا يمنح التدخلات المجتمعية والنفسية مجالًا واسعًا، إذ يمكن العمل على شبكات العلاقات وعلى إدراك الأفراد لها معًا، وتصلح هذه النتائج أساسًا لدراسات تجريبية تختبر برامج بناء الدعم والتعاطف وتقيس أثرها السلوكي البيئي على المدى الأطول، وأن تربط بين مؤشرات التماسك الاجتماعي ومؤشرات الأداء البيئي في تخطيط الأحياء والمجتمعات المحلية بدل التعامل مع الملفين الاجتماعي والبيئي منفصلين في السياسات العامة
وخلاصة القول إن الدعم الاجتماعي المدرك يغذي السلوك المؤيد للبيئة مباشرة وعبر قناتي التعاطف والامتنان، وإن بناء مجتمعات مترابطة داعمة لأفرادها يشكل رافدًا نفسيًا واجتماعيًا للاستدامة البيئية لا يقل أهمية عن السياسات والأدوات








