يمثل التنبؤ بعوائد الأسواق المالية وتقلباتها تحديًا مستمرًا أمام المستثمرين ومديري المحافظ والمحللين، وتزداد صعوبته في الأسواق الناشئة التي تتسم بحساسية عالية للصدمات العالمية، وقد شهدت الفترة الأخيرة صدمتين كبريين متعاقبتين هما جائحة كورونا وما رافقها من اضطراب اقتصادي واسع، والأزمة الروسية الأوكرانية وما أحدثته من توترات في الطاقة والتجارة العالمية، وطرحت هاتان الصدمتان سؤالًا حول مدى قابلية عوائد أسهم هذه الأسواق للتنبؤ ومدى استمرارية تقلباتها عبر النماذج القياسية المعروفة، وهو السؤال الذي تتصدى له الدراسة الحالية بمنهج مقارن عبر مجموعة من الاقتصادات المختارة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التنبؤ بعوائد أسواق أسهم مختارة في الأسواق الناشئة وتقلباتها، وجمعت أسعار الإغلاق اليومية المعدّلة في فترة تمتد من نهاية شهر ديسمبر لعام ألفين وتسعة عشر إلى نهاية شهر ديسمبر لعام ألفين وثلاثة وعشرين، وهي فترة تغطي جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية معًا، واستخدمت نموذجين قياسيين للحصول على نتائجها التجريبية، هما نماذج المتوسطات المتحركة المتكاملة ذات الانحدار الذاتي للتنبؤ بالعوائد، ونماذج الانحدار الذاتي المشروط بعدم تجانس التباين المعمّمة في صيغتها الموحدة لنمذجة التقلب، بمراتب انحدار ومتوسطات متحركة مختلفة عبر أحد عشر بلدًا مشمولًا بالتحليل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج نماذج المتوسطات المتحركة المتكاملة أن عوائد الأسهم قابلة للتنبؤ في خمسة بلدان فقط من البلدان الأحد عشر عند اتباع مراتب مختلفة للانحدار الذاتي والمتوسطات المتحركة، بما يعني أن قابلية التنبؤ ليست خاصية عامة في هذه الأسواق بل تختلف من سوق إلى أخرى، أما نماذج التقلب فقد كشفت أن كل سوق من أسواق الأسهم المشمولة يسجل معلومات جديدة ويشهد تقلبًا مستمرًا عبر الفترة المدروسة، كما أظهرت أن تقلب سوق الأسهم الصينية آخذ في التراجع بسرعة مقارنة بغيره، وهي نتيجة تميز السوق الصينية عن نظيراتها الناشئة في دينامية المخاطرة
ويمنح استخدام نموذجين متمايزين للعائد والتقلب على حدة قدرة على تفكيك سلوك السوق إلى مكونين مختلفين، فقد يصعب التنبؤ بمستوى العائد ذاته بينما يمكن توصيف مخاطره واستمراريتها بدقة، وهو تمييز ذو قيمة عملية لأن قرارات الاستثمار لا تتوقف على توقع الربح فقط بل على تقدير حجم المخاطرة المصاحبة له، وقد غطت الفترة المدروسة صدمتين متعاقبتين نادرًا ما تجتمعان في نافذة زمنية واحدة، ما يجعلها اختبارًا ضاغطًا لمتانة النماذج القياسية وقدرتها على التعامل مع بيانات أسواق ناشئة تعرضت لاضطرابين عالميين متتاليين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى عملية تعين المستثمرين ومديري المحافظ ومحللي أسواق الأسهم على اتخاذ قرارات استثمارية مبنية على العائد المتوقع والمخاطرة معًا، فمعرفة الأسواق التي يمكن التنبؤ بعوائدها وتلك التي يصعب التنبؤ بها يوجه اختيار النماذج والأدوات التحليلية، بينما تفيد خريطة استمرارية التقلب وتراجعه في تقدير المخاطر وتوزيع الأصول، كما تنبه النتائج صناع القرار المالي إلى أن الأسواق الناشئة لا تستجيب للصدمات العالمية بوتيرة واحدة، وأن رصد التقلب المستمر عامل جوهري في إدارة المحافظ خلال فترات الأزمات المتعاقبة
كما تلفت النتيجة الخاصة بتراجع تقلب السوق الصينية بسرعة الانتباه إلى أن مسارات التعافي من الصدمات ليست موحدة بين الأسواق الناشئة، فقد تستعيد بعض الأسواق استقرارها النسبي بوتيرة أسرع من غيرها تبعًا لعوامل خاصة بكل سوق، وهو ما يدعو المستثمرين إلى التحليلات الخاصة بكل بلد بدل المعاملة الجماعية للأسواق الناشئة كتلة متجانسة، وتبقى نتائج النماذج محدودة بقدرتها القياسية وبأحداث الفترة المدروسة، ما يفتح المجال لدراسات لاحقة توظف نماذج أحدث أو فترات أطول وتقارن استقرار النتائج عبر صدمات مختلفة الطبيعة والتوقيت
وتذكّر هذه الصورة المقارنة بأن إدارة الاستثمار في الأسواق الناشئة تحتاج إلى رصد مزدوج دائم لمسارين منفصلين، مسار العائدات المتوقعة الذي يصعب التنبؤ به في أغلب الأسواق، ومسار التقلبات المستمرة الذي يمكن نمذجته ومتابعته بأدوات قياسية راسخة تخدم قرارات التحوط وتوزيع الأصول
وخلاصة القول إن دراسة أحد عشر سوقًا ناشئًا عبر فترة الجائحة والأزمة الروسية الأوكرانية أظهرت أن عوائد خمسة بلدان فقط قابلة للتنبؤ بنماذج السلاسل الزمنية، بينما سجلت الأسواق كلها تقلبًا مستمرًا يستوعب المعلومات الجديدة، مع تراجع سريع مميز لتقلب السوق الصينية، بما يقدم دليلًا عمليًا لقرارات الاستثمار المبنية على العائد والمخاطرة








