يتنافس الانتباه البشري بين مهام متزامنة في كثير من مواقف التعلم والحياة اليومية، فيشرود الذهن بعيدًا عن المهمة الجارية بينما تستمر مهام أخرى في الخلفية، وقد أشارت نتائج حديثة إلى أن شرود الذهن يرتبط بضعف التعلم الصريح الذي يتطلب انتباهًا واعيًا دون أن يضعف التعلم الضمني الذي يجري بموارد انتباهية محدودة، غير أن هذه النتائج ما تزال بحاجة إلى تكرار يرسخ الثقة فيها وتوسيع يختبر حدودها، ولا سيما السؤال عما إذا كان التعلم الصريح يضعف تحت الحمل الانتباهي المتزايد بينما يبقى التعلم الضمني بمنأى عن هذا الضعف، وهو سؤال تتصدى له الدراسة الحالية بتجربتين متكاملتين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تكرار النتائج الحديثة وتوسيعها، واعتمدت على مهمة تعلم تسلسلي هي مهمة زمن الاستجابة التسلسلية لتحديد ما إذا كان شرود الذهن يتداخل مع تعلم مهمة لا تتطلب موارد انتباهية، أي التعلم الضمني، وقد أكمل المشاركون هذه المهمة أثناء مشاهدة محاضرة مرئية مدتها ثلاث عشرة دقيقة، وأجابوا في نهاية الفيديو عن عشرة أسئلة اختيار من متعدد تتعلق بالمحتوى المقدم فيه، وهي الأسئلة التي تقيس التعلم الصريح المتزامن، وعلى فترات محددة أثناء المهمة عرضت على المشاركين مسبارات شرود ذهن طلبت منهم الإبلاغ عن موضع انتباههم في اللحظات السابقة لظهور المسبار، بينما قيس التعلم الضمني من خلال تناقص زمن الاستجابة عبر كتل متعددة من محاولات المهمة التسلسلية
ثانيًا: أبرز النتائج
لوحظ في تجربتين أن المشاركين تعلموا ضمنيًا تسلسلًا مكونًا من اثني عشر عنصرًا، وذلك بغض النظر عن أدائهم في أسئلة الاختيار من متعدد المتعلقة بمحتوى الفيديو المتزامن، وحتى أولئك الذين بدا أنهم انخرطوا بنشاط في مشاهدة الفيديو وأدوا أداء جيدًا في أسئلة المحتوى أظهروا تحسنًا واضحًا في مهمة التعلم الضمني متمثلًا في تناقص أزمنة استجابتهم عبر الكتل، وتشير هذه النتائج إلى أن التعلم الضمني يمكن أن يحدث حين يكون الفرد منشغلًا بمهمة تعلم صريح متزامنة، وأن انشغال الانتباه الواعي بمهمة صريحة، سواء أصاب الذهن شرود أم بقي منخرطًا، لا يحجب اكتساب البنى التسلسلية الضمنية الجاري بالتوازي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعزز هذه النتائج التصور القائل باستقلالية نسبية بين نظامي التعلم الصريح والضمني من حيث الموارد الانتباهية المطلوبة، فالتعلم الضمني يستمر في التقاط الأنماط التسلسلية من البيئة حتى حين تستهلك مهمة أخرى صريحة موارد الانتباه وحين يتخلل الأداء شرود ذهني موثق بالمسبارات، وهذا له دلالات لفهم تعدد المهام في بيئات التعلم المعاصرة المليئة بالمشتتات، إذ قد يكتسب المتعلمون بنى ضمنية من مواد يعرضون لها عرضًا جانبيًا دون قصد، كما يفتح الباب لبحوث لاحقة عن الشروط التي قد يبدأ عندها الحمل الانتباهي بالتأثير حتى في التعلم الضمني، وعن كيفية توظيف هذا التعلم الصامت تربويًا بصورة واعية
وتتوزع حياة المتعلمين المعاصرة بين محاضرات وشاشات ومهام متداخلة، فيصبح السؤال عن قدرة الذهن على التعلم في الخلفية سؤالًا عمليًا لا نظريًا فحسب، فإذا كان التعلم الضمني يمضي قدمًا رغم انشغال الانتباه وشروده أمكن إعادة النظر في افتراض أن كل تعلم مشروط بحضور انتباهي كامل، وفي كيفية تصميم بيئات تعلم تستثمر هذا التعلم الهادئ بدل تجاهله، واعتمد قياس شرود الذهن على مسبارات تظهر على فترات محددة أثناء الأداء وتسأل المشاركين عن موضع انتباههم قبل لحظة ظهورها مباشرة، وهي طريقة تتيح التقاط تقلبات الانتباه أثناء حدوثها بدل الاعتماد على تقييم لاحق شامل، كما أتاحت مقارنة الأداء الصريح في أسئلة المحتوى بالأداء الضمني في المهمة التسلسلية فصلًا دقيقًا بين نظامي التعلم في التجربة الواحدة
كما أن تكرار النتيجة عبر تجربتين مستقلتين يمنحها وزنًا يتجاوز كثيرًا من النتائج المنفردة في هذا المجال، فقد ثبت اكتساب التسلسل الضمني لدى من شرودت أذهانهم ولدى من انخرطوا في المحاضرة وحققوا درجات مرتفعة في أسئلتها على السواء، ومن ثم لا يبدو شرود الذهن عدوًا شاملًا للتعلم كما تصوره الانطباعات الشائعة
وخلاصة القول إن الذهن لا يتوقف عن التعلم حين يشرود أو حين ينشغل بمهمة صريحة أخرى، فقد أثبتت تجربتا الدراسة أن التعلم الضمني لتسلسل من اثني عشر عنصرًا تحقق لدى جميع المشاركين على اختلاف أدائهم الصريح، بما يرسخ فكرة أن جانبًا من اكتسابنا المعرفي يجري بصمت وبموارد انتباهية ضئيلة في خلفية نشاطنا الواعي
لطلب بيانات المصدر الأصلي باللغة الإنجليزية، تابع عبر حساب الباحث.








