يدشن الذكاء الاصطناعي عصرًا من التحول المحتمل في مجالات شتى، لا سيما تقنيات الاتصال التعليمي، مع أدوات مثل تشات جي بي تي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي الأخرى، وقد أثار الانتشار السريع لهذه الأدوات وتبنيها المتسارع اهتمامًا وقلقًا كبيرين لدى أساتذة الجامعات الذين يتعاملون مع ديناميات متطورة للاتصال الرقمي داخل قاعات الدراسة وخارجها، غير أن أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي ودلالاته في التعليم ما زالا ناقصي الدراسة والفهم، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى فهم تصورات أعضاء هيئة التدريس واتجاهاتهم واستخداماتهم ودوافعهم بوصفها عوامل كامنة تؤثر في تبنيهم لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أو رفضهم لها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف تصورات أعضاء هيئة التدريس في التعليم العالي واتجاهاتهم واستخداماتهم ودوافعهم بوصفها عوامل مؤثرة في تبنيهم لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أو رفضها، مستندة إلى نموذج قبول التقنية ونظرية الإدراك الاجتماعي إطارين نظريين متكاملين، وأجرت مسحًا ميدانيًا شمل أعضاء هيئة تدريس متفرغين بلغ عددهم 294 عضوًا جندوا من جامعتين حكوميتين متوسطتي الحجم في الولايات المتحدة، وحللت العلاقات بين الفائدة المدركة وسهولة الاستخدام المدركة والثقة والتعزيز الاجتماعي والكفاءة الذاتية من جهة، واتجاهات الأعضاء ونيتهم في استخدام التقنية وتبنيها فعليًا من جهة أخرى، مع اختبار أدوار الوساطة بين هذه المتغيرات
ويجمع الجمع بين نموذج قبول التقنية ونظرية الإدراك الاجتماعي بين تفسيرين متكاملين لسلوك التبني، أولهما معرفي يقوم على إدراك الفائدة والسهولة، وثانيهما اجتماعي يقوم على الثقة وتأثير الأقران والكفاءة الذاتية، وقد سمح هذا الجمع للدراسة باختبار علاقات وساطة دقيقة بين المدركات الفردية والعوامل الاجتماعية، وبناء صورة أغنى عن الكيفية التي يتشكل بها قرار الأستاذ الجامعي إزاء تقنية جديدة تثير الجدل في مجتمعه المهني
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الفائدة المدركة للذكاء الاصطناعي تنبأت باتجاهات الأساتذة ونيتهم في استخدام التقنية وتبنيها بدرجة أكبر من سهولة الاستخدام المدركة، وأن الثقة والتعزيز الاجتماعي أثرا تأثيرًا قويًا في قرارات الأساتذة بتبني الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعملا وسيطين مهمين في فهم العلاقة بين نموذج قبول التقنية ونظرية الإدراك الاجتماعي، إذ تعزز الثقة تأثير الأقران في قرارات التبني، وتؤثر في الكيفية التي تشكل بها الفائدة المدركة استعداد المستخدمين لتبني التقنية، بينما كان أثر الكفاءة الذاتية ضئيلًا في هذا السياق، بما يبرز قوة الديناميات الاجتماعية في تشكيل اتجاهات الأساتذة نحو التقنية الجديدة وسلوكهم تجاهها وكفاءتهم الذاتية واستخدامهم الفعلي لها
ويفسر ضعف أثر الكفاءة الذاتية مقارنة بالثقة والتعزيز الاجتماعي بأن أساتذة الجامعات يمتلكون عمومًا كفاءة تقنية كافية للتعامل مع الأدوات الجديدة، فلا تكون الكفاءة هي العقدة الرئيسة، بل تكون العقدة في مدى ثقتهم بجدوى الأداة وحدودها الأخلاقية والمهنية، وفي ما يرونه من مواقف زملائهم ومؤسساتهم تجاهها، ومن هنا يمر تغيير اتجاهات التبني عبر الخطاب المهني الجماعي والنماذج الناجحة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى قيمة تسترشد بها سياسات التعليم العالي الرامية إلى تحسين تجربة تعلم الطلاب في قوة عمل يقودها الذكاء الاصطناعي ويعيد تشكيل مهاراتها، إذ تشير إلى أن إقناع أعضاء هيئة التدريس بتبني أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي يمر عبر إظهار فائدتها التعليمية الملموسة وبناء الثقة بها وتفعيل دعم الأقران ونماذجهم الناجحة، لا عبر تيسير استخدامها التقني وحده، كما تدعو المؤسسات الجامعية إلى برامج تأهيل وحوارات مهنية جادة تعالج قلق الأساتذة من تطور الاتصال الرقمي في قاعاتهم الدراسية، وتستثمر التجارب الناجحة من زملائهم بوصفها محفزًا اجتماعيًا قويًا للتبني الواعي والمسؤول لهذه الأدوات
وعلى صعيد التطبيق المؤسسي، يمكن للجامعات بناء مجتمعات ممارسة مهنية يعرض فيها الأساتذة الأوائل تجاربهم الناجحة في توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في التدريس والبحث، وإصدار أدلة استخدام جديرة بالثقة تعالج قضايا النزاهة الأكاديمية والخصوصية، بما يبني الثقة المؤسسية بالأدوات، كما يمكن ربط خطط التطوير المهني بحوافز تعترف بالابتكار التعليمي المسؤول، فتتحول الديناميات الاجتماعية ذاتها إلى رافعة للتبني الرشيد
وخلاصة القول إن تبني أعضاء هيئة التدريس للذكاء الاصطناعي التوليدي قرار تحكمه الفائدة المدركة والثقة والديناميات الاجتماعية بدرجة أكبر مما تحكمه سهولة الاستخدام أو الكفاءة الذاتية، وهو ما ينبغي أن توجه إليه سياسات الدمج الجامعي لهذه الأدوات وبرامج التأهيل المصاحبة لها








