يعد اختيار التخصص الجامعي قرارًا مهمًا يؤثر تأثيرًا بعيد المدى في النواتج الأكاديمية والمهنية للطالب طوال مسيرته، وتستكشف هذه الدراسة إمكان تعزيز الإرشاد البشري المخصص لاختيار التخصص باستخدام نموذج لغوي كبير هو جي بي تي-4، في وقت تتجه فيه الجامعات بوتيرة متسارعة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمات الدعم والإرشاد الطلابي، وتقدم الدراسة إشارة أولية رصينة إلى جدوى النماذج اللغوية الكبيرة في التوصية المخصصة بالتخصصات الجامعية، وتسلط الضوء على وعود الذكاء الاصطناعي وحدوده في دعم الإرشاد الأكاديمي بوصفه نشاطًا إنسانيًا حساسًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة مقترحات نموذج جي بي تي-4 وردوده لطلاب لم يحسموا تخصصهم الجامعي بعد، بردود مرشدين جامعيين خبراء وتوصياتهم، عبر مسح من ثلاث مراحل، شمل طلابًا غير معلني التخصص من السنتين الأولى والثانية بلغ عددهم 33 طالبًا، ومرشدين جامعيين بلغ عددهم 25 مرشدًا، واستطلعت المرحلة الأولى اهتمامات الطلاب وأهدافهم التعليمية والمهنية، ثم قدمت هذه الردود إلى المرشدين الجامعيين وإلى النموذج معًا لإنتاج توصية بالتخصص المناسب لكل طالب، مع تزويد النموذج بمعلومات عن التخصصات المتاحة في الحرم الجامعي ضمن موجهاته، وصنف الباحثون التغذية الراجعة النوعية الواردة من المرشدين باستخدام مخطط التقارب لاستخلاص مضامين التصميم الرئيسة
وروعي في تصميم المراحل الثلاث أن تبدأ المقارنة من بيانات واقعية يعبر فيها الطلاب أنفسهم عن اهتماماتهم وأهدافهم بصدق، ثم تعالج هذه البيانات بالخبرة البشرية والذكاء الاصطناعي معًا على قدم المساواة، مع تزويد النموذج بمعلومات التخصصات المتاحة فعليًا في الحرم الجامعي حتى لا يوصي بتخصصات غير موجودة، وقد منح تقييم المرشدين لتوصيات النموذج النتائج مصداقية عملية في قياس جودة المخرجات
ثانيًا: أبرز النتائج
قيّم المرشدون الجامعيون توصيات النموذج بأنها مفيدة بدرجة عالية، إذ منحوها 4 من 5 في جودة شرحها لمبررات التوصية، و3.8 في إجاباتها عن أسئلة الطلاب الفردية، واتفق المرشدون مع توصيات الذكاء الاصطناعي في 33 في المئة من الحالات، ولوحظ اتفاق أكبر بين الطرفين حين اطلع المرشدون على توصيات الذكاء الاصطناعي قبل صياغة توصياتهم الخاصة، غير أن هذه النتيجة لم تبلغ مستوى الدلالة الإحصائية، وقدمت الدراسة في ضوء التغذية الراجعة النوعية للمرشدين خمس مضامين تصميمية لأنظمة الإرشاد الأكاديمي المعزز بالذكاء الاصطناعي في المستقبل، تتصل بطرائق عرض التوصيات وتفسيرها وحدود الاعتماد عليها
ويستحق اتفاق المرشدين مع النموذج في ثلث الحالات قراءة متأنية، فهو لا يعني قصور النموذج بقدر ما يعكس تعدد الخيارات الصالحة للطالب الواحد واختلاف أولويات المرشدين في وزن الاهتمامات والقدرات وفرص سوق العمل، كما أن منح النموذج درجات عالية في جودة الشرح دون اتفاق كامل على التوصية ذاتها يشير إلى أن قوته الحالية في التفسير والعرض تفوق قوته في الحكم النهائي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه الدراسة بابًا عمليًا أمام الجامعات لتوظيف النماذج اللغوية الكبيرة مساعدًا للمرشدين الأكاديميين لا بديلًا عنهم، إذ يمكن أن تقدم توصيات أولية مفسرة تخفف عبء المرشد وتمنح الطالب المتردد نقطة انطلاق مثمرة للحوار الإرشادي، بينما يبقى الحكم النهائي للمرشد البشري الذي يعرف سياق الطالب وظروفه وقدراته، كما تنبه النتائج إلى أثر الاطلاع المسبق على توصيات الذكاء الاصطناعي في أحكام المرشدين أنفسهم، وهو ما يستدعي تصميم بروتوكولات استخدام واعية تحفظ استقلالية الحكم المهني وتمنع الانحياز غير المقصود، وتدعو إلى دراسات لاحقة أوسع عينة وأطول مدى قبل تعميم التوظيف في خدمات الإرشاد الجامعي
ويمكن لمكاتب الإرشاد الأكاديمي أن تبدأ التوظيف العملي بصيغ محافظة، كاستخدام النموذج لإعداد ملخصات اهتمامات الطلاب وقوائم تخصصات مرشحة قبل جلسة الإرشاد، مع مراجعة بشرية كاملة قبل اعتماد أي توصية نهائية، كما يمكن توظيفه في الإجابة عن الأسئلة المتكررة حول متطلبات التخصصات وخططها الدراسية، بما يحرر وقت المرشدين للحالات المعقدة التي تحتاج إلى حكم إنساني وحوار معمق
كما تسهم الدراسة في النقاش الأوسع حول أتمتة الخدمات الطلابية في الجامعات، مبينة أن القبول المهني للذكاء الاصطناعي يتدرج بتدرج حساسية المهمة الموكلة إليه، فكلما اقتربت المهمة من الحكم على مستقبل الطالب وخياراته المصيرية ازدادت الحاجة إلى إشراف بشري موثق ومراجعة مهنية مسؤولة، وهو معيار عملي يمكن أن يوجه سياسات الجامعات في توزيع المهام بين الإنسان والآلة توزيعًا متوازنًا وآمنًا
وخلاصة القول إن النماذج اللغوية الكبيرة قادرة على إنتاج توصيات تخصصية يجدها المرشدون الخبراء مفيدة ومقنعة في شرحها ومبرراتها، غير أن اتفاقها الجزئي مع أحكام الخبراء يجعل موضعها الطبيعي مساعدًا ذكيًا ضمن منظومة إرشاد يقودها الإنسان ويتحمل مسؤوليتها
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








