يحظى الاستمتاع بتعلم لغة ثانية باهتمام متزايد في بحوث تعلم اللغات في السنوات الأخيرة، غير أن مصادر الاستمتاع بتعلم مفردات اللغة الثانية تحديدًا لم تحظ إلا بقدر محدود من البحث، رغم أن المفردات حجر الأساس في إتقان أي لغة جديدة وبوابة المتعلم إلى مهاراتها كافة، وتستند هذه الدراسة إلى نظرية التركيز التنظيمي، وإلى الافتراض القائل إن التقدم نحو تحقيق هدف ما يسهم إسهامًا كبيرًا في الاستمتاع بالتعلم، لتبحث في الكيفية التي ترتبط بها ذوات مفردات اللغة الثانية بصورتيها المثالية والواجبة، وقدرة المتعلم على التنظيم الذاتي لتعلم المفردات، بمدى استمتاعه بهذا التعلم ومواصلته له
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص مدى ارتباط ذوات مفردات اللغة الثانية، وقدرة التنظيم الذاتي لتعلم المفردات، بالاستمتاع بتعلم مفردات اللغة الثانية، وطبقت الدراسة استبانة على مجموعتين من طلاب الجامعة منخفضي المستوى المتوسط في اللغة بلغ عددهم 897 طالبًا، في زمنين مختلفين، أولهما في منتصف فصل دراسي صيفي، وثانيهما في الفصل الدراسي التالي، وتراوحت أعمار الطلاب بين 17 و24 عامًا، بمتوسط حسابي قدره 18.84 وانحراف معياري قدره 0.79، وحللت البيانات بأساليب إحصائية متعددة شملت الانحدار الهرمي، وتحليل الهيمنة، والأوزان النسبية، وتحليل الغابات العشوائية بوروتا، إضافة إلى تحليلات الوساطة للكشف عن الآثار المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات
ويمنح جمع البيانات في زمنين مختلفين النتائج متانة إضافية، إذ يلتقط العلاقات بين المتغيرات في سياقين متباينين، كما أن تعدد الأساليب التحليلية المستخدمة، من الانحدار الهرمي إلى تحليل الغابات العشوائية، يجعل الاستنتاجات متقاطعة المصادر، فتتفق أدوات إحصائية تقليدية وحديثة على ترتيب المتنبئات وأدوار الوساطة بين ذوات المفردات والاستمتاع بتعلمها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن القدرة على التنظيم الذاتي لتعلم المفردات كانت أهم متنبئ بالاستمتاع بتعلم مفردات اللغة الثانية، تلتها ذات مفردات اللغة الثانية المثالية التي يطمح المتعلم إلى بلوغها في مستقبله اللغوي، كما أظهرت تحليلات الوساطة أن القدرة على التنظيم الذاتي لتعلم المفردات أثرت تأثيرًا مباشرًا في الاستمتاع بتعلم المفردات، وأن ذات المفردات المثالية مارست أثرًا وسيطًا أقوى من ذات المفردات الواجبة التي تمثل ما يعتقد المتعلم أنه ملزم بتحقيقه استجابة لتوقعات الآخرين وواجباته، بما يعني أن دافعية المتعلم واستمتاعه ينبعان بدرجة أكبر من صورته الطموحة لذاته اللغوية المستقبلية، لا من شعوره بالالتزام والواجب وحدهما
ويعني تفوق التنظيم الذاتي متنبئًا أن المتعلم الذي يخطط لتعلم مفرداته ويراقب تقدمه ويضبط استراتيجياته يستمتع بالعملية ذاتها، لأن شعوره بالسيطرة والإنجاز المتدرج يغذي متعته، بينما تعمل الذات المثالية بوصفها صورة مستقبلية محفزة تجعل الجهد الحالي ذا معنى، أما الذات الواجبة فترتبط بدوافع خارجية أقل قدرة على توليد الاستمتاع الداخلي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة لمعلمي اللغات ومصممي مناهجها، إذ تشير إلى أن تنمية قدرة الطلاب على التنظيم الذاتي لتعلم المفردات، من تخطيط لتعلمهم ومراقبة لتقدمهم وتقويم لنتائجهم، هي المدخل الأقوى لرفع استمتاعهم بالمفردات واستمرارهم في تعلمها، وأن مساعدة المتعلم على بناء صورة مثالية واضحة وجذابة لذاته بوصفه مستخدمًا للغة في المستقبل تعزز هذا الاستمتاع وتدعمه، بينما لا يكفي الاعتماد على دوافع الواجب والالتزام منفردة، كما تفتح الدراسة بابًا لمزيد من البحث في مصادر الاستمتاع اللغوي بوصفه محركًا للاستمرار في التعلم ورفع مستوى الإتقان اللغوي لدى المتعلمين في مراحل ومستويات مختلفة
وتطبيقيًا، يمكن لمعلم اللغة توظيف هذه النتائج بتدريب طلابه على استراتيجيات تنظيم ذاتي لتعلم المفردات، كالتخطيط الدوري والسجلات الذاتية والتقويم الذاتي، وبأنشطة تصور مستقبلي تساعد الطلاب على رسم ذواتهم اللغوية المثالية بوضوح، كما يمكن لمصممي تطبيقات تعلم المفردات دمج أدوات تتبع للتقدم وتذكير بالأهداف المستقبلية يعزز الاستمتاع ويثبت عادة التعلم
كما تتصل نتائج الدراسة بأدبيات الدافعية اللغوية الأوسع، إذ تؤكد أن الاستمتاع ليس حالة عابرة ترافق التعلم، بل ناتج قابل للبناء والتنمية عبر تنمية التنظيم الذاتي وتغذية الطموح اللغوي لدى المتعلم، وأن قياسه بأدوات دقيقة عبر أزمنة متعددة يمنح الباحثين صورة أصدق عن دينامياته، ويدعو إلى دراسات طولية تتبع تطور الاستمتاع بتعلم المفردات عبر مراحل الإتقان المختلفة ومستوياته
وخلاصة القول إن الاستمتاع بتعلم مفردات اللغة الثانية يتشكل أساسًا من قدرة المتعلم على تنظيم تعلمه ذاتيًا، ومن قوة الصورة المثالية التي يحملها لذاته اللغوية المستقبلية، وهو ما يجعل بناء هاتين القدرتين هدفًا تربويًا يستحق العناية والتركيز في برامج تعليم اللغات ومناهجها








