تحتل المنشآت الصغيرة والمتوسطة موقعًا محوريًا في تحول الإنتاج الأوروبي نحو الاستدامة، غير أن طبيعة إسهامها في الاقتصاد الدائري ما تزال غير واضحة تمامًا، إذ لا يُعرف على وجه الدقة ما إذا كانت أنشطتها في كفاءة الموارد تُبقي المواد قيد الاستخدام فعلًا أم تقتصر في الغالب على ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وتنبع أهمية هذا التمييز من اختلاف الآثار البيئية والاقتصادية بين المسارين، فإبقاء المواد في الدورة الإنتاجية عبر إعادة الاستخدام والتدوير يختلف جوهريًا عن مجرد خفض المدخلات، ومن هنا سعت الدراسة إلى توصيف أنماط ممارسات الاقتصاد الدائري لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة في أوروبا وربطها بخصائص المنشأة والدولة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد أنماط ممارسات الاقتصاد الدائري لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة الأوروبية وفحص العوامل المرتبطة بكل نمط على مستوى المنشأة والدولة، ولتحقيق ذلك واءم الباحثون بين موجات مسح يوروباروميتر الوامض الست المعنية بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة وكفاءة الموارد والأسواق الخضراء خلال الفترة من عام 2012 إلى عام 2024، ثم قدّروا نموذج فئات كامنة شمل 49353 منشأة من دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين استنادًا إلى الموجات الأربع ذات البنود القابلة للمقارنة خلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2024، وربطوا العضوية في الفئات بخصائص المنشأة والدولة باستخدام مقدّرات ثلاثية الخطوات معدلة للانحياز، بما يتيح التمييز بين الأنماط الجوهرية في تكوين الممارسات لا في عددها فقط
ويمنح نموذج الفئات الكامنة الدراسة قدرة على اكتشاف تجمعات طبيعية في البيانات بدل فرض تصنيفات مسبقة على المنشآت، فتتشكل الأنماط من تشابه الممارسات المبلغ عنها ذاتها، كما أن المقدرات ثلاثية الخطوات المعدلة للانحياز تحفظ دقة الربط بين العضوية في الأنماط وخصائص المنشأة والدولة رغم عدم يقين التصنيف، بما يجعل الاستنتاجات المتعلقة بالحجم والقطاع والمنطقة أكثر اعتمادًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أربعة أنماط متميزة لممارسات الاقتصاد الدائري، هي نمط متدني التبني ويمثل 29 في المئة من المنشآت، ونمط موجه نحو الكفاءة ويمثل 20 في المئة، ونمط موجه نحو المواد ويمثل 26 في المئة، ونمط شامل ويمثل 26 في المئة، ورغم أن النمطين الوسيطين يفيدان بعدد متقارب من الممارسات فإنهما يختلفان في تكوينها اختلافًا واضحًا، إذ تستخدم المنشآت في النمطين الموجه نحو المواد والشامل مواد معادًا تدويرها في منتجاتها بمعدل يقارب ثلاثة أمثال غيرها، وبنسب تراوحت بين 76 و77 في المئة مقابل ما بين 18 و25 في المئة لدى بقية المنشآت، وكان حجم المنشأة وقطاعها أقوى الارتباطات وأكثرها ثباتًا عبر المواصفات، كما أبلغت منشآت أوروبا الوسطى والشرقية عن ممارسات أقل في الاحتفاظ بالمواد، وكانت أقل احتمالًا للانتماء إلى النمط الشامل بعد ضبط الدخل والحوكمة، غير أن الفجوة الإقليمية غير المشروطة في حصة هذا النمط تبقى رهينة بنموذج القياس المعتمد
ويلفت النمطان الوسيطان النظر إلى أن أوجه الشبه العددية بين المنشآت قد تخفي اختلافات عميقة في طبيعة الاستدامة التي تمارسها، فمنشآت الكفاءة تركز على خفض استهلاك الطاقة والمياه، بينما توجه منشآت المواد جهودها إلى إبقاء المواد داخل الدورة الإنتاجية، وهو اختلاف ينعكس في البصمة البيئية والسوقية لكل منهما على حدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
لم تُظهر الاستراتيجيات الوطنية للاقتصاد الدائري أي ارتباط متزامن يمكن رصده بأنماط الممارسات، وكانت الارتباطات بمدى وصول التمويل العام ضعيفة وغير خاصة بممارسات الكفاءة تحديدًا، وهو ما يدعو إلى الحذر في افتراض أثر فوري للاستراتيجيات الوطنية على سلوك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتخلص الدراسة إلى أن رصد إسهام هذه المنشآت في الإنتاج المستدام ينبغي أن يتتبع تكوين الممارسات واستخدام المواد الثانوية لا مجرد عدد الإجراءات المعلنة، إذ إن العدّ وحده قد يخفي فوارق جوهرية بين منشآت تكتفي بترشيد الطاقة والمياه وأخرى تدير المواد بوصفها موردًا يدور في الإنتاج، بما يساعد صانعي السياسات على تصميم دعم موجه يعالج الاحتفاظ بالمواد لا الكفاءة وحدها
وخلاصة القول إن الدراسة رسمت خريطة كمية لأنماط ممارسات الاقتصاد الدائري لدى عشرات الآلاف من المنشآت الأوروبية الصغيرة والمتوسطة، وأظهرت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الممارسات بل في تكوينها، وأن سد الفجوة بين الكفاءة والاحتفاظ بالمواد يتطلب سياسات وأدوات رصد أدق تميز بين المسارين وترتب أولويات الدعم الحكومي وفقًا لطبيعة ممارسات كل نمط من الأنماط الأربعة المستخرجة








