يشهد الاهتمام العالمي بالاستدامة تناميًا متسارعًا جعل إدماج مبادئ الاقتصاد الدائري في التعليم المدرسي ضرورة متزايدة الأهمية، فالمدارس ليست مؤسسات تعليمية فحسب، بل بيئات يومية تستهلك الموارد وتنتج النفايات وتشكّل وعي الأجيال الناشئة بأنماط الاستهلاك والإنتاج، وفي سلطنة عُمان تتقاطع هذه التوجهات مع جهود تطوير التعليم وتعزيز ثقافة الاستدامة لدى الطلبة والمعلمين، غير أن نجاح أي مبادرة من هذا النوع يتوقف على واقع الممارسة داخل المدرسة وعلى تصورات المعلمين الذين يقودون التنفيذ اليومي، ومن هنا تبرز أهمية الوقوف على مستوى تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في المدارس الحكومية والمعوقات التي تواجهه ومقترحات تطويره من وجهة نظر المعلمين أنفسهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف تصورات المعلمين حول تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في المدارس الحكومية بمحافظة مسقط في سلطنة عُمان، وتحديد المعوقات المدركة للتطبيق، واستطلاع مقترحات المعلمين لتعزيز الممارسات المرتبطة بهذه المبادئ، واعتمدت الدراسة تصميمًا وصفيًا مقطعيًا طُبق على عينة ملاءمة قوامها 291 معلمًا ومعلمة، وحُللت البيانات الكمية بالأساليب الإحصائية الوصفية كالمتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية، في حين خضعت 165 استجابة نوعية مكتوبة لسؤال مفتوح لتحليل محتوى استقرائي أتاح استخراج الموضوعات والمقترحات من إجابات المشاركين أنفسهم دون فرض تصنيفات مسبقة
ويجمع هذا التصميم بين الصورة الكمية العامة لواقع التطبيق وعمق التفسير النوعي لمقترحات التطوير، فبينما ترصد الدرجات الرقمية مستوى التصور العام لدى المعلمين، تكشف الإجابات المفتوحة عن تفاصيل عملية لا تظهرها الأرقام، كالحاجة إلى أدوات رصد استهلاك الموارد ودعم البنية الأساسية، وهو تكامل منهجي يمنح النتائج قابلية أكبر للتحويل إلى خطط عمل مدرسية قابلة للتنفيذ والمتابعة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المعلمين ينظرون إلى مستوى تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في مدارسهم بوصفه مرتفعًا عبر الأبعاد الخمسة المقوّمة جميعًا، إذ تراوحت المتوسطات الحسابية لتصوراتهم بين 3.80 و3.89، وفي المقابل أبلغ المعلمون أيضًا عن مستوى مرتفع من المعوقات المدركة، وجاء في مقدمتها غياب الأدوات اللازمة لرصد استهلاك الموارد والبيانات البيئية بوصفه أعلى فقرات المعوقات تقييمًا، أما مقترحات المعلمين لتعزيز الممارسات فقد تركزت في إدارة دائرية للموارد، وبناء الوعي والقدرات، وتوفير الدعم المالي والبنية الأساسية، وإشراك الطلبة في الممارسات، ودمج مفاهيم الاقتصاد الدائري في المناهج الدراسية، وإقامة شراكات مع المجتمع المحلي، وتحقيق التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية
ويثير تزامن ارتفاع مستوى التطبيق المدرك مع ارتفاع مستوى المعوقات المدركة ملاحظة تفسيرية مهمة، فقد تكون ممارسات الاقتصاد الدائري حاضرة فعلًا في الحياة المدرسية بصور متفرقة، غير أن تطويرها المنهجي واستمراريتها يظلان مقيدين بغياب الأدوات والدعم والتنسيق، فالحضور الجزئي للممارسة لا يعني اكتمال المنظومة، والفارق بين الأمرين هو ما تفسره المعوقات المرتفعة التي رصدها المعلمون في إجاباتهم
ويلاحظ أن تقارب المتوسطات الحسابية للأبعاد الخمسة بين 3.80 و3.89 يدل على أن ارتفاع التصور لم يكن محصورًا في بعد واحد دون غيره، بل امتد عبر مجالات التطبيق المقوّمة كلها، كما أن تصدر نقص أدوات رصد استهلاك الموارد والبيانات البيئية لقائمة المعوقات يحمل دلالة عملية مهمة، فالرصد حلقة الوصل بين النية والممارسة، وبدونه يصعب على المدرسة معرفة مواضع التقدم أو التراجع في أدائها البيئي عبر الزمن
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن مقاربة منسقة على مستوى المدرسة قد تدعم تطوير ممارسات الاقتصاد الدائري وتجاوز معوقاتها، بحيث تتكامل إدارة الموارد مع بناء قدرات المعلمين والطلبة وتوفير البنية والأدوات اللازمة للرصد والمتابعة، كما أن دمج مفاهيم الاقتصاد الدائري في المناهج الدراسية يمنح الممارسة المدرسية بعدًا تعليميًا يتجاوز إدارة النفايات إلى تشكيل ثقافة الاستدامة لدى الناشئة، ومع ذلك يلفت الباحثون إلى أن نتائج الدراسة تعكس تصورات المعلمين المشاركين لا ممارسات مدرسية متحققة باستقلال، وهو ما يجعلها نقطة انطلاق لدراسات لاحقة تعتمد الملاحظة والوثائق إلى جانب الاستبانات
كما أن إشراك الطلبة، وهو أحد مقترحات المعلمين البارزة، يمنح مبادئ الاقتصاد الدائري أثرًا يتجاوز جدران المدرسة، فالطالب الذي يمارس الفرز وإعادة الاستخدام وترشيد الاستهلاك في بيئته المدرسية يحمل هذه الأنماط إلى أسرته ومجتمعه، فتتحول المدرسة إلى مختبر يومي لثقافة الاستدامة لا مجرد موقع لتطبيق إداري لها
وخلاصة القول إن مدارس مسقط الحكومية تبدو، في أعين معلميها، بيئة حاضنة لممارسات الاقتصاد الدائري بمستوى مرتفع، غير أن الانتقال من الممارسات المتفرقة إلى منظومة مستقرة يتطلب معالجة المعوقات التي حددها المعلمون أنفسهم، وفي مقدمتها أدوات رصد الموارد ودعم البنية والتنسيق المؤسسي، بما يحول طموح الاستدامة إلى واقع مدرسي مستدام
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








