يأتي هذا المقال افتتاحية لعدد خاص من مجلة متخصصة في فلسفة القانون والنظرية القانونية وتاريخ هذين الحقلين، عدد اختار له محرره عنوان «عدالة قائمة على الحقيقة»، وهو عنوان يختزل سؤالًا مركزيًا في النظرية القانونية المعاصرة مفاده هل يمكن تصور عدالة لا تقوم على أساس من الحقيقة، وما الذي يعنيه ربط العدالة بالحقيقة في عصر تتعدد فيه الروايات وتتنازع فيه التأويلات حول الوقائع والقيم معًا
يسرد المقال قصة نشأة العدد، ففي عام 2021 وفي خضم جائحة كورونا تلقى المحرر طلبًا من الناشر ليتولى التحرير الضيف لمجلة إلكترونية جديدة في فلسفة القانون والنظرية القانونية تشمل تاريخ الحقلين، فكان واضحًا له منذ اللحظة الأولى أن هذا العرض فرصة عظيمة لجميع العاملين في فلسفة القانون والنظرية القانونية لتطوير منبر يتبادلون عبره المعرفة، ولا سيما في أوقات الأزمات التي تكشف الحاجة إلى أسس فكرية راسخة للعدالة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تتمثل غاية الافتتاحية في تقديم العدد الخاص وبيان وحدة موضوعه، فمقالات العدد على تنوع مقارباتها تلتقي عند السؤال ذاته وهو العلاقة بين الحقيقة والعدالة في الفكر القانوني، فمنها ما يدرس نظرية دوركين في الحقيقة الموضوعية والتأويل، ومنها ما يقارن بين التقاليد القانونية الكبرى وأثرها في الثقة بالحكومات وسيادة القانون
يتسم منهج المقال بطابع تقديمي تحريري، يجمع بين السرد التعريفي لظروف إطلاق المجلة والعدد وبين التأطير المفاهيمي لموضوعه، فهو لا يعرض نتائج بحثية بالمعنى التجريبي بل يرسم خريطة العدد ويربط بين مساهماته ويدعو القراء إلى متابعة النقاش الذي تفتحه
ثانيًا: أبرز النتائج
يبرز من مضمون الافتتاحية أن اختيار موضوع «العدالة القائمة على الحقيقة» لم يكن اعتباطيًا، فقد جاء في سياق أزمات متزامنة أعادت طرح أسئلة الحقيقة والثقة والمؤسسات، من الجائحة إلى تصاعد الشك في الخطاب العام، فصارت العلاقة بين إثبات الحقيقة وتحقيق العدالة سؤالًا عمليًا ملحًا بقدر ما هي سؤال نظري قديم في فلسفة القانون
كما يُستفاد من المقال أن المجلة تراهن على الطابع الدولي التخصصي للحوار العلمي، فتجمع باحثين في فلسفة القانون وتاريخه ونظريته من تقاليد متعددة ليختبروا أفكارهم بعضهم أمام بعض حول موضوع واحد كبير
وتشير الافتتاحية ضمنًا إلى أن إصدار عدد خاص بهذا العنوان في هذا التوقيت يحمل رهانًا مؤسسيًا على قدرة النظرية القانونية على استعادة مكانتها في نقاش عام تآكلت فيه الثقة بالمؤسسات وبمفهوم الحقيقة نفسه، فحين تتنازع الروايات حول الوقائع الأساسية وتتحول العدالة في الخطاب العام إلى مواقف متناحرة، يصبح إخضاع العلاقة بين الحقيقة والعدالة لفحص فلسفي صبور ضرورة فكرية تتجاوز جدران الأكاديميا، وهو ما يعوّل عليه العدد في تبرير وجوده وفي استقطاب مساهمات من تقاليد قانونية وفكرية متباعدة تجمعها الأسئلة ذاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة الافتتاحية في توثيقها لحظة تأسيسية في حياة مجلة علمية وعددها الخاص، وفي إعلانها برنامجًا بحثيًا مفاده أن العدالة لا تستقيم بمعزل عن سعي جاد نحو الحقيقة، وأن النظرية القانونية مطالَبة بمواجهة تحديات زمن الأزمات بدل الاكتفاء بأسئلة تقليدية مكررة
ويفيد المقال الباحثين والقراء المتخصصين بوصفه مفتاحًا لقراءة العدد كله، إذ يعرّف بموضوعاته ومؤلفيه ومنطق ترتيب مساهماته، كما يفيد مؤرخي الحقول المعرفية الراغبين في تتبع نشأة المنابر العلمية وتطور أجندات البحث في فلسفة القانون في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين
ويجدر بالقارئ المتخصص أن يقرأ هذه الافتتاحية بوصفها وثيقة تأطيرية تحدد أسئلة العدد دون أن تستبق أجوبته، فهي تترك لمقالات العدد مهمة الاختبار الفعلي لدعوى قيام العدالة على الحقيقة عبر حقول متنوعة من نظرية دوركين إلى العدالة الانتقالية، وبهذا المعنى تعمل الافتتاحية خريطة قراءة بقدر ما تعمل بيانًا تحريريًا، وتدعو المجتمع البحثي في فلسفة القانون إلى مواصلة الحوار في أعداد لاحقة وندوات موازية، مؤكدة أن الأسئلة الكبرى عن الحقيقة والعدالة لا تُغلق بعدد واحد مهما اتسعت مساهماته بل تتجدد مع كل أزمة تعيد طرحها بصيغ جديدة
وخلاصة القول إن هذه الافتتاحية تقدم عددًا خاصًا يجعل من الحقيقة أساسًا معلنًا للعدالة، وتروي كيف وُلد هذا المشروع العلمي في زمن الجائحة بوصفه فرصة لبناء منبر تبادل معرفي في فلسفة القانون والنظرية القانونية، ليبقى السؤال الذي يطرحه العدد مفتوحًا أمام الباحثين هل تقوم العدالة فعلًا على الحقيقة وكيف








