على الرغم من اتساع البحث في أزمات المنظمات، ما تزال الحاجة قائمة إلى فهم أعمق لشخصيات المديرين المشاركين في إدارة الأزمات ولتفاعل سماتهم الشخصية في بناء الجاهزية لها، فإدارة الأزمات عملية استراتيجية محورية في عالم اليوم المعقد سريع التغير، تشمل توقع الأزمات التي قد تعطل عمل المنظمة والاستعداد لها والاستجابة الفعالة لها، وقد أكد تصاعد إخفاقات الأعمال والأزمات المؤسسية، إلى جانب التبعات المتباينة لجائحة كوفيد-19، الحاجة الماسة إلى إدارة فعالة للأزمات وفي مقدمتها الجاهزية لها، ولما كانت الجاهزية في المنظمات تتأثر بعوامل متعددة، سعت هذه الدراسة إلى بناء نموذج يقوّم بدقة أثر الجوانب الفردية والموقفية في هذه الجاهزية، فالمنظمات كثيرًا ما تبني خطط أزمات مكتوبة بعناية ثم تكتشف عند الاختبار الحقيقي أن حلقتها الأضعف ليست الخطة ذاتها بل شخصيات من يديرونها تحت الضغط، ومن هنا تتجه الأنظار إلى السمات القيادية بوصفها بنية نفسية عميقة تقوم عليها الجاهزية المؤسسية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير نموذج يفسر أثر السمات الشخصية والعوامل الموقفية في الجاهزية للأزمات، مستندة إلى نظرية إدارة الأزمات ونظرية السمات إطارين نظريين عامين، واعتمدت عينة بلغت 314 مديرًا تنفيذيًا، ووظفت تحليل الوساطة والتعديل المشروط لاختبار العلاقات بين يقظة الضمير بوصفها سمة شخصية أساسية، والتنافسية النرجسية بوصفها متغيرًا وسيطًا محتملًا، وتصعيد الالتزام بوصفه متغيرًا معدِّلًا، والجاهزية للأزمات متغيرًا تابعًا، ويقظة الضمير هنا هي ميل المدير إلى الانضباط والتنظيم وتحمل المسؤولية، والتنافسية النرجسية هي ميله إلى التفوق على الآخرين وحماية ذاته في المواقف التنافسية، وتصعيد الالتزام هو إصراره على مسار قرار سابق رغم مؤشرات فشله، وصمم النموذج الإحصائي ليكشف ما إذا كانت يقظة الضمير تعمل مباشرة في الجاهزية أم عبر قنوات نفسية وسيطة تتوسطها، وما إذا كان تصعيد الالتزام يعدل قوة هذه القنوات ويعيد تشكيلها، وهو تصميم تحليلي يفوق مجرد رصد الارتباطات الثنائية البسيطة بين السمات والجاهزية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج الرئيسة أن التنافسية النرجسية تتوسط بالكامل العلاقة الإيجابية بين يقظة الضمير والجاهزية للأزمات، بمعنى أن أثر يقظة الضمير في الجاهزية يمر عبر مستوى التنافسية النرجسية لدى المدير ولا يعمل بمعزل عنها، وبينت النتائج أيضًا أن تصعيد الالتزام عدّل العلاقة بين يقظة الضمير والتنافسية النرجسية، إذ أظهر المديرون ذوو يقظة الضمير العالية ممن يتصفون بتصعيد الالتزام مستوى منخفضًا ومرغوبًا من التنافسية النرجسية، وهي نتيجة لافتة لأن تصعيد الالتزام يوصف عادة بأنه سمة تنظيمية سلبية، بينما يظهر هنا في صورة عامل يكبح التنافسية النرجسية لدى المديرين المنضبطين، فيتحول أثره بحسب السياق الشخصي الذي يعمل فيه، ويعيد هذا الاكتشاف الاعتبار إلى مفهوم التفاعل المعقد بين السمات الشخصية، فلا سمة تعمل منعزلة في شخصية المدير التنفيذي، بل شبكة من الميول المترابطة التي تعزز بعضها بعضًا أو تكبحها بحسب تركيبتها الداخلية، وهو ما يفسر تباين جاهزية مديرين يتشابهون في سمة واحدة ويختلفون في غيرها اختلافًا جوهريًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي النتائج على دلالات عملية لقرارات التوظيف وبناء فرق إدارة الأزمات، إذ تنصح الدراسة المنظمات بأن تعطي الأولوية عند التوظيف للمديرين المتصفين بيقظة الضمير ممن لديهم استعداد لتصعيد الالتزام، شريطة أن تدير المنظمة هذا الاستعداد إدارة فعالة، فباتخاذ الخطوات السليمة تستطيع المنظمات الاستفادة من مزايا المديرين المائلين إلى تصعيد الالتزام مع تقليل مخاطر الأزمات المرتبطة به، كما تفيد النتائج برامج تطوير القيادات بأن الجاهزية للأزمات ليست مهارة تقنية فحسب، بل نتاج تفاعل سمات شخصية دقيقة، وأن فهم التنافسية النرجسية ودورها الوسيط يساعد على تشخيص نقاط القوة والهشاشة في فرق القيادة قبل وقوع الأزمة لا بعدها، وتفتح الدراسة أيضًا بابًا واسعًا لبحوث قادمة تختبر النموذج ذاته في قطاعات أشد خطورة كالطاقة والصحة والطيران، حيث تتباين كلفة ضعف الجاهزية وتتسع الحاجة إلى قادة يجمعون بين الانضباط المهني والثبات الانفعالي عند اتخاذ القرارات الحرجة تحت ضغط الوقت وندرة المعلومات
وخلاصة القول إن الدراسة بينت أن يقظة ضمير المديرين ترفع الجاهزية للأزمات عبر مسار تتوسطه التنافسية النرجسية ويعدّله تصعيد الالتزام، بما يعيد النظر في الأحكام المطلقة على بعض السمات التنظيمية، ويقدم للمنظمات أساسًا أدق لاختيار قادتها وتأهيلهم لمواجهة الأزمات بفاعلية وثبات، وتبقى رسالتها المركزية أن الاستثمار في اختيار القادة التنفيذيين وتأهيلهم نفسيًا وتنظيميًا جزء لا يتجزأ من أنظمة إدارة الأزمات الحديثة في المنظمات المعاصرة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
