تمثل المرونة والكفاءة عنصرين أساسيين في التنمية المستدامة لاقتصادات المدن السياحية، إذ تحتاج المدن إلى كفاءة تشغيلية ترفع عوائد القطاع السياحي، وإلى مرونة تمكّنها من امتصاص الصدمات والتكيف مع التقلبات، غير أن العلاقة التآزرية بين العنصرين ومسار تطورهما المشترك ظلا أقل وضوحًا في الأدبيات، ولا سيما على مستوى مدن مقاطعة بعينها، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتقيس المرونة والكفاءة في اقتصاد السياحة الحضرية بمقاطعة خبي الصينية، وتفحص آثارهما التآزرية وخصائص تطورهما عبر الزمن والمكان، بما يقدم أساسًا علميًا لتوجيه السياسات السياحية نحو نمو مستدام متوازن لا يضحي بالمرونة في سبيل الكفاءة ولا العكس، وتزداد هذه الحاجة إلحاحًا في أعقاب ما شهدته السياحة العالمية من صدمات متتالية أظهرت هشاشة المدن التي ركزت على كفاءة التشغيل وحدها دون احتياطات مرونة تمتص الأزمات وتعينها على إعادة بناء الطلب السياحي بعد زوال الصدمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس مستوى المرونة والكفاءة في اقتصاد السياحة الحضرية بإحدى عشرة مدينة في مقاطعة خبي، وفحص التآزر بينهما وخصائص تطوره، واعتمدت أسلوب الترجيح بالأوزان ونموذج الكفاءة الفائقة لقياس الكفاءة، وهو نموذج يتيح تمييز الوحدات الكفؤة وترتيبها بما يتجاوز حد الكفاءة النسبية المعتاد، ثم وظفت نموذج هاكن للتآزر لدراسة الآثار التآزرية والخصائص التطورية للنظام المركب من المرونة والكفاءة، وهو نموذج يستعير من علم التآزر مفهوم المعامل المنظم الذي يقود تطور النظام كله، وبذلك جمعت الدراسة بين قياس كمي دقيق لكل عنصر على حدة، وتحليل ديناميكي لكيفية تفاعلهما وتحولهما المشترك عبر المراحل، ويميز هذا التصميم البحثي الدراسة عن الدراسات الوصفية التي تقيس المرونة أو الكفاءة منفصلة كلًا على حدة، إذ ينتقل بها إلى مستوى فهم النظام السياحي الحضري بوصفه كلًا متفاعلًا تتحدد حركته التطورية بعلاقات عناصره وتآزرها لا بمجاميع أجزائه المنفصلة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن كفاءة اقتصاد السياحة الحضرية هي المعامل المنظم الذي يحكم مسار تطور اقتصاد السياحة الحضرية في مقاطعة خبي واتجاهه، إذ قادت الكفاءة التحول الديناميكي لهذا الاقتصاد من اللانظام إلى النظام، ومن انخفاض الكفاءة إلى ارتفاعها، وبينت النتائج أن التطور التآزري بين مرونة اقتصاد السياحة الحضري وكفاءته مر بعملية تطور حميدة من مرحلة أولية إلى مرحلة عالية، مقدمًا اتجاهًا إيجابيًا مستقرًا ومستمرًا عبر الزمن، غير أن فروقًا مكانية معتبرة ظهرت بين المدن، إذ تشكل نمط مكاني مقعر يمتد من الشرق إلى الوسط إلى الغرب، وبرز أثر تراكم المزايا بين المدن، حيث تميل المدن المتقدمة سياحيًا إلى تعزيز تقدمها بينما تتسع الفجوة مع المدن المتأخرة ما لم تتدخل السياسات لمعالجتها، وتدل هذه الصورة المكانية المتباينة على أن التطور التآزري الإيجابي على مستوى المقاطعة ككل لا يلغي التفاوت الداخلي بين مدنها، إذ تتقدم مدن دون أخرى بفضل بنيتها التحتية وتراكم خبراتها السياحية ومواقعها الجغرافية، بينما تحتاج المدن المتأخرة إلى جهود مضاعفة للحاق بركب التطور التآزري المستدام
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي النتائج على دلالات تطبيقية لصناع السياسات السياحية في مقاطعة خبي وغيرها، فهي تبين أن رفع كفاءة اقتصاد السياحة هو الرافعة القائدة لتطور القطاع برمته، وأن الاستثمار في تحسين الكفاءة التشغيلية والخدمية ينبغي أن يحظى بالأولوية مع عدم إهمال بناء المرونة اللازمة لمواجهة الصدمات، كما تنبه إلى خطورة اتساع الفروق بين المدن بفعل أثر تراكم المزايا، بما يستدعي سياسات دعم موجهة للمدن المتأخرة في الوسط والغرب، ومشاركة للخبرات والبنية التحتية بين المدن المتقدمة وجاراتها، وتفيد الدراسة الباحثين أيضًا بقابلية نموذج هاكن للتطبيق في دراسة الأنظمة الاقتصادية السياحية المعقدة وتحديد معاملاتها المنظمة، بما يفتح الباب لدراسات مشابهة في مقاطعات ودول أخرى، كما تنصح الدراسة بإدماج مؤشرات المرونة والكفاءة معًا في أنظمة المتابعة والتقويم السياحي للمدن، بحيث لا تحتفي الإدارات المحلية بأرقام كفاءة مرتفعة بينما تتراجع في الخفاء قدرة مدنها على الصمود أمام الصدمات والأزمات المقبلة
وخلاصة القول إن الدراسة أظهرت أن التآزر بين مرونة اقتصاد السياحة الحضرية وكفاءته في مقاطعة خبي يتطور باتجاه إيجابي مستقر تقوده الكفاءة بوصفها معاملًا منظمًا، مع استمرار تحديات الفروق المكانية وتراكم المزايا بين المدن، بما يجعل السياسات المتوازنة بين الكفاءة والمرونة والدعم الموجه للمدن المتأخرة شرطًا لاستدامة النمو السياحي، وتبقى تجربة مقاطعة خبي نموذجًا تحليليًا قابلًا للمقارنة مع مقاطعات ومدن سياحية في سياقات وطنية أخرى تسعى إلى الموازنة ذاتها بين الكفاءة والمرونة








