يواجه أكاديميو المحاسبة في الدول النامية كإندونيسيا مشكلة في الأداء الوظيفي تتمثل في تدني تصنيفهم الأكاديمي مقارنة بأكاديميي التخصصات الأخرى، وقد أثر تطبيق أنظمة الأداء التي تفرضها الحكومة بوصفها آلية رقابية في سلوكيات الأكاديميين المضادة للإنتاجية وفي مستوى أدائهم، وعلى الرغم من أهمية هذه العلاقة، ظل التحقق التجريبي من صلة أنظمة الرقابة الإدارية بالسلوك الوظيفي المضاد للإنتاجية وأداء الأكاديميين شحيحًا، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتفحص هذه العلاقات في مؤسسات التعليم العالي الإندونيسية، مستندة إلى نظرية متطلبات الوظيفة ومواردها التي تفسر كيف تؤثر متطلبات العمل وموارده في سلوك العاملين وأدائهم، وتزداد أهمية هذه القضية في بيئات التعليم العالي التي تعتمد بطبيعتها على الاستقلالية المهنية للأكاديميين، فتتعقد فيها مهمة الرقابة الإدارية بين ضرورة ضبط الأداء المؤسسي وخطورة خنق المبادرة الأكاديمية والإبداع البحثي والتدريسي لدى أعضاء هيئة التدريس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار الارتباط بين روافع الرقابة بوصفها آليات أداء مؤسسية، والسلوك الوظيفي المضاد للإنتاجية، وأداء العمل لدى الأكاديميين، واعتمدت منهجًا مسحيًا باستبانة إلكترونية ذاتية التعبئة وُجهت إلى 238 أكاديميًا في تخصص المحاسبة بإندونيسيا، ثم حللت البيانات باستخدام نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، وهي أسلوب إحصائي ملائم لاختبار العلاقات المتزامنة بين المتغيرات والوساطة بينها، وميزت الدراسة بين أنماط روافع الرقابة المختلفة، وفي مقدمتها نظم الحدود التي تضع قواعد واضحة للسلوك المقبول والمحظور، ونظم الرقابة التفاعلية التي تشجع الحوار والنقاش حول القضايا الاستراتيجية، لترى أيها أكثر فاعلية في كبح السلوكيات المضادة للإنتاجية ورفع الأداء، وشمل القياس أبعاد روافع الرقابة المختلفة كما يدركها الأكاديميون في مؤسساتهم، ومظاهر السلوك المضاد للإنتاجية كالتقاعس عن المهام الوظيفية وإضاعة وقت العمل والانحراف عن القواعد المؤسسية، ومؤشرات أداء العمل في جوانبه التدريسية والبحثية والخدمية كما يقدرها الأكاديميون لأنفسهم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن نظم الحدود ونظم الرقابة التفاعلية عاملان جوهريان في التخفيف من ميل الأكاديميين إلى الانخراط في السلوك الوظيفي المضاد للإنتاجية، وكشفت عن أثر سلبي واضح لهذا السلوك في أداء العمل، إذ كلما ازدادت السلوكيات المضادة تراجع أداء الأكاديميين، وبينت النتائج أيضًا أن السلوك الوظيفي المضاد للإنتاجية يؤدي دورًا وسيطًا حاسمًا في العلاقة الإيجابية بين نظامي الرقابة هذين والأداء، بمعنى أن نظم الحدود والرقابة التفاعلية تعزز الأداء لأنها تنجح أولًا في الحد من انخراط الأكاديميين في السلوكيات المضادة، فتتحقق الوساطة عبر خفض السلوك السلبي لا عبر مسارات مباشرة فقط، وهو ما يعمق فهم كيفية عمل أنظمة الرقابة داخل الجامعات، وتتسق هذه النتيجة مع منطق نظرية متطلبات الوظيفة ومواردها، إذ تعمل نظم الرقابة الواضحة والحوارية موردًا تنظيميًا يخفف ضغوط الغموض وصراع الأدوار، فيقل ميل الأكاديميين إلى الانسحاب السلوكي أو الانحراف عن متطلبات العمل الأساسية في مؤسساتهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي النتائج على دلالات مباشرة للإدارات العليا في التعليم العالي، إذ تدعو إلى مواءمة أنظمة الرقابة الإدارية مع مدونات سلوك سليمة، وتصميم أنظمة أداء تمكّن الحرية الأكاديمية وثقافة الزمالة والاستقلالية والمشاركة بما يرفع الأداء، فحين يتحول نموذج أنظمة الرقابة نحو هذه الخصائص يتراجع السلوك الوظيفي المضاد للإنتاجية لدى الأكاديميين ويتحسن أداؤهم، وتفيد الدراسة مخططي سياسات التعليم العالي في الدول النامية بأن الرقابة الفعالة ليست تشديدًا للقيود وحسب، بل بناء بيئة تنظيمية عادلة وحوارية تجعل الالتزام خيارًا ذاتيًا، وتحد من دوافع السلوكيات المنحرفة التي تستنزف طاقة الأكاديميين وتضعف مخرجات مؤسساتهم، كما تحذر الدراسة ضمنيًا من أنظمة أداء عقابية جامدة تنظر إلى الأكاديمي بوصفه موظفًا منفذًا لا شريكًا معرفيًا، إذ قد تولد هذه الأنظمة ذاتها سلوكيات مضادة كانت تنوي منعها، بينما تنجح الأنظمة التشاركية في تحويل الرقابة إلى دعم مهني يشعر الأكاديمي معه بالعدالة والانتماء والثقة المؤسسية
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت تجريبيًا أن نظم الحدود والرقابة التفاعلية تحد من السلوك الوظيفي المضاد للإنتاجية لدى أكاديميي المحاسبة في إندونيسيا، وأن هذا السلوك يتوسط أثرها الإيجابي في أداء العمل، بما يقدم للإدارات الجامعية خريطة عملية لتصميم رقابة متوازنة تجمع بين وضوح القواعد وروح المشاركة والحرية الأكاديمية، ويدعو ذلك إلى إعادة تصميم أنظمة الأداء الجامعي في الدول النامية على أسس تجمع بين وضوح الحدود التنظيمية وحرية الممارسة الأكاديمية المسؤولة والمشاركة الحقيقية في صناعة القرار








